الخلاف الفقهي بين المالكية والإباضية
الجزء ١ · صفحة ٧٦٠الذّرَى، فلما انْطَلَقْنَا قُلْنَا أو قال بَعْضُنَا لِبَعْض: لاَ يُبَارِكُ الله لنا؛ أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ نَسْتَحْمِلُهُ، فَحَلَفَ أَنْ لاَ يَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا، فَأَتَوْهُ فَأَخْبَرُوهُ، فقال: ما أنا حَمَلْتُكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ، وَإِنِّي والله إِن شَاءَ الله لَا أَخْلِفُ على يَمِينِ، ثُمَّ أَرَى خَيْرًا منها، إلا كَفَّرْتُ عن يَمِينِي وَأَتَيْتُ الذي هو خَيْرٌ))، ويُسْتَدَل لهم أيضًا بقوله: من حَلَفَ بِيَمِينِ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا منها، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَفْعَل الذي هو خَيْرٌ» (2)، ووجه الاحتجاج به أن الأحاديث ذكرت التكفير ثم الحنث، وقالوا إن الحلف هو سبب الكفارة، والحنث شرط للكفارة وسبب الحكم إذا تقدم على شرطه جاز تقدم ترتب الحكم عليه كما في دفع الزكاة قبل الحول؛ لتقدم سببها وهو النصاب، ولا يجوز تقدم الحكم على السبب فلا تجوز الكفارة قبل الحلف، ولا دفع الزكاة قبل ملك النصاب
لكان
(3)
ملك
اعتراض على دليل المالكية: قد يُعترض عليهم بأن الآية لا بد من تقدير محذوف فيها تقديره إذا حلفتم فحنثتم وذلك كثير في القرآن، وإلا معني الآية إيجاب الكفارة على كل من حلف حنث أو لم يحنث، وليس ذلك مرادًا، كما أن حديث مسلم لا حجة لكم فيه لوروده في البخاري بلفظ « … والله - إن شَاءَ الله - لاَ أَحْلِفُ على يَمِين، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا منها إلا أَتَيْتُ الذي هو خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا» (4)، فهو على الأصل فيلتزم بما جاء فيه، وما جاء في الصحيح من العطف بالفاء في قوله: « … فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا منها، فَلْيُكَفِّرْ عن يَمِينِهِ. . .»، يشهد لجواز تقديم الكفارة على الحنث؛ لأن العطف بالفاء يفيد الترتيب والتعقيب وقد رتب التكفير على إرادة فعل غير المحلوف عليه لا على الحنث وهو ما ذهب إليه
(£)
(1) صحيح مسلم كتاب الأيمان، باب نَدْبِ من حَلَفَ يَمِينًا فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنها أَنْ يَأْتِيَ الذي هو خَيْرٌ وَيُكَفِّرُ عن يَمِينِهِ، الحديث رقم 1649، 1268/ 3. (2) الموطأ، كتاب الأيمان والنذور باب ما تَجِبُ فيه الْكَفَّارَةُ مِنَ الْأَيْمَانِ، 478/ 2. (3) انظر مدونة الفقه المالكي وأدلته 354/ 2، 355.
(4) صحيح البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب اليمين فيما لا يملك وفي المعصية وفي الغضب الحديث رقم 6680، 283/ 3
760