الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٧١القسم التاسع: الأعلام
71
كما وتغزّت نفسه العبقرية بالبيان الفياض الذي ورثه من جديه أحمد بن سعيد إمام العلم وشاعر الحقيقة وناظم الأثر، ومن جده الشيخ الرئيس عبد الله بن سعيد، شاعر الركب العربي الحرّ، فهم الأبحر التي تمده بفيضها المتدفّق، وهم الأقمار بل الشموس التي تضيء على مرآة فكره الوقاد وعقله الرزين، والجوهر الفرد الذي هو واسطة العقد عمّه الإمام الخليلي، رجل العلم
والعمل البنّاء، فلا غرو أن جاء نابغتنا هذا أوحد النوابغ وجوهرة الأدباء. سيما وإنه أخذ في مرافق شعره مأخذاً لم يسبق إليه، ونهج به به منهجاً لم يتقدم عليه، ولئن افتخر العصريون بشعر شوقي والرصافي والزهاوي وأمثالهم، وافتخر القُطر العماني بالشاعرين الكبيرين البهلاني والسالمي، فإننا نفتخر في جيلنا هذا بشاعرنا المشار إليه، فقد جاءنا بما لم يأت به أولئك، وأسمعنا ما لم نكن نظنّ أن نسمعه في شعر شاعر ما، ولئن افتخر شوقي بهمزيته التي يقول في مطلعها:
ولد الهدى فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم وثناء
فإن عهدنا الحالي يفتخر بهمزية شاعرنا التي يقول في مطلعها: با لحالي فالداء فيها عياء غير أنّ الصبور للداء داء
ولولا أن تلك في المديح النبوي لم نقل إنها تقارب همزية شاعرنا بحال أو تكاد، فقد جاء بجواهر فيها تتجلى للذهن تجلّي النجوم الزهر، وفيها من الوعي أقباس مشتعلة، ولها ضياء وقاد لمن يعرف ذوق الشعر، فإنها الآية الوحيدة في بابها، والجوهرة اليتيمة بين أترابها، فإن كل بيت منها مصباح من مصابيح الأدب، وكل جملة منها أشبه بدارة القمر في صحو الأفق، أنظر إلى قوله فيها: من لأمر تكاد تنشق أو تخس ف منه الخضراء والغبراء ويميد الكرسي والعرش إشفا قاً وتفري أديمها الدأماء