الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٧٤74
تحفة الأنام فيما لسمائل الفيحاء من معالم وأعلام
وإذا وقف الناظر على قصيدته التي يقول فيها:
ووادٍ كأني منه في فم ضيغم أكابده ثبت الحِجا غيرَ رَيْعان إذا وقف الناظر هنا لمحة وقف حائرا مندهشاً، لما يلاحظه في هذا المقام، فيكاد أن لا يكون له حراك، فيرى نفسه كأنه أمام أمر مهول لا يجسر عليه إلا أجلة القادة الفحول، ويرى السامع كأنّ إمرأ القيس في جاهليته، أو النبهاني في روعته وبلاغته، أو أبا فراس في خطورة موقفه، فقد جاء فيها بالعجب العجاب، وناهيك
بما مدح به فيها إمام المسلمين الخليلي ـ رحمه الله ورضي عنه وأرضاه ـ.
فمن لقائل أن يستطيع مثل ذلك المقال في رصانته وجزالته ومتانة معانيه، إنها الآية التي هي السجدة في سجل الشعراء، فيجب أن يسجدوا لها، ثم يطوف فيها بالعالم الروحي راكعاً وساجداً وطائفاً وعابداً، واللسان ترجمان الجنان، وإنها لتعبر عمّا فيه من هاجس إيمان وباعث أشجان
لقد أوتي شاعرنا هذا ما لم يُؤْتَ غيره من النوابغ.
ولئن نبع أمرؤ القيس بـ «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل.
والنابغة الذبياني بـ «عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار». وابن أبي سلمى المزني بـ «أمن أم أوفى دمنة لم تكلَّم». وعنترة العبسي بـ هل غادر الشعراء من متردّم». وعمرو بن كلثوم بـ «ألا هتي بصحنك فاصبحينا». وطرفة بن العبد البكري بـ «الخولة أطلال ببرقة ثهمد». وأبوبصير أعشى قيس بـ «ودّع هريرة إن الركب مرتحل».
وابن حلزة اليشكري بـ «آذنتنا ببينها أسماء»
ولبيد بن ربيعة العامري بـ «عفت الديار محلها فمقامها».
وعلقمة الفحل التميمي بـ طحا بك قلب في الحسان طروب».