تحفة الأنام فيما لسمائل الفيحاء من معالم وأعلام عبد الله بن راشد بن عزيز السيابي

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢٦٤

264

تحفة الأنام فيما لسمائل الفيحاء من معالم وأعلام

قائما بشؤون ضيوفه، فيتناول بعد أن يفرغ الضيف ومن حضر الطعام من الضعفاء والمساكين، يتناول لقيمات يقيم بهنّ صُلْبه، وهو يقضي تلك الفترة بين كتاب يقرؤه، أو صحيفة في شأن المسلمين ينظر فيها أو يكتبها، أو حاجة لبعض خواص المسلمين، فإذا غربت الشمس خرج لأداء الواجبة في الناس، ثم يعقد بعدها مكانه مجلسًا للقراءة، وغالبا يقرأ الحديث، كالجامع الصغير، وشبل السلام، والجامع الصحيح، وغير ذلك، حتى إذا صلى العشاء الآخرة دخل إلى منزله وأخذ ساعة أو ساعتين من النوم ترويحا للنفس، يقوم بعد ذلك راكعا ساجدا، وربما نام واستيقظ آونة وآونة، وهكذا حتى قبيل صلاة الغداة بساعة أو مايزيد، هكذا يقضي حياته، وحتى في أسفاره لا يترك قيام الليل.

صحبته مرارا في سفره فإذا هو مضرب المثل في الزهد والورع، كان يتبلغ بالقليل من الزاد، فكان في الغالب لا يفطر إلا على التمر والقهوة، وكان يقضي طيلة نهاره تحت السكينة والوقار لا يشتغل بشيء من كلام الدنيا، إلا ما كان في إصلاح ذات بَيْن أو تمهيدا لأمر من أمور المسلمين، أو تعزيزا لكلمة الله، يقعد بين إخوانه يتسمع معهم عِلْمًا نافعًا من كتاب أو حديث أو تاريخ للخلفاء الراشدين وكبار الرجال وهكذا، مع أنّ بابه غير محجوب عن داخل، ضعيفا كان أوقويًا، وطالما سمعته يتلطف بالضعفاء ويمزح معهم بحق، وطالما رأيته لأهل الشرف ويراعيهم ويتألّفهم، وطالما لاحظته يغضب الله، وينتهر الأقوياء إذا حاولوا الاجتراء على ضعيف، ولو من وراء التستر بكلمة حق يراد بها باطل، وطالما تغذى في غدائه وعشائه باللحم والتمر، ورأيته كذا يقضي أكثر أسفاره، وكنت كثيرا ما أراه ماشيا في طريقه يعاقب إخوانه على راحلته، حتى لقد تورّمت قدماه مرّة من كثرة المشي في الطريق البعيد، في الوعر تارة وفي السهل أخرى، وعلى قمم الجبال، وكنت كأنما يتفطر قلبي رحمة له، هي تلك خُلُق الصالحين،

وسيرة الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين.

يبتسم