الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٧٠270
تحفة الأنام فيما لسمائل الفيحاء من معالم وأعلام
أن يفوه بمراده بعبارة وجيزة لا يحسنها الزائر، وأعرب له عن قصده الذي جاء إليه إن خيراً أو شرّاً، فيتحقق بعد الفحص صِدْقُ حِدسه، حتى أن بعض الوفود يُرْتَجُ عليه أن يفوه عنده بشيء، يباسط الناس الخاصة والعامة، ويقص لهم القصص الدينية والآداب الدنيوية، أحرز الحالتين يسلّي المتوجع، لا يرد سائلا
ولا مسترفداً، ولا يملك ما بيده أكرم أهل زمانه، كأنما عناه القائل: ولو لم يكن في کفه غير نفسه لجاد بها فليتق الله سائله يجلس إلى الناس الخاصة والعامة، يباسطهم ويعلمهم أمر دينهم ودنياهم، يقضي نهاره في خدمة المسلمين، يجرّه المرأة والخادم والصغير والكبير والضعيف والقوي، لا يأنف من أحد، فيقضي حاجتهم ويرجع إلى مجلسه، حتى في بعض الأوقات يتولى بيده علاج بعض المرضى من الضعفاء، ويتولى كلّ أمور المسلمين حتى بزوات (ورقة صغيرة يكتب فيها ما يأمر به الخازن) الطعام لدواب الضيوف ودوات الدولة.
أنه
كان قبل ارتقائه عرش الإمامة في رغد من العيش، وتأنق من اللباس لأنه
الأيام
كان غنياً، فلما ولي الأمر رغب عن ذلك مع كثرة غناه، فكان يطوي والليالي، ويفطر على التمر والعوال (السمك المجفّف)، كثير صيام التطوع، حتى ابتلي بنقصان بصره لكثرة صيامه وتقشّفه في المعيشة، بقي خمسة أشهر مكفوفاً فاحتاج إلى علاج الدكتور، فأرسل إلى تومس الأمريكي من مسقط فلبّى دعوته فعالجه فأبصر من إحدى عينيه.
كان لا يلوم أحداً على ما يكون العذر في مثله، يلتمس العذر لإخوانه والتخلّص له من العثرة، لا يشكو وجعاً ولا صاحباً، ولا ينتقم من الولي على العدو، ولا يغفل عن الوليّ، لا يخص نفسه دون إخوانه بشيء من اهتمامه، ولا يتبرم ولا يضجر، تأتيه الحوادث وتطرقه الكوارث فلا يتغير ولا يتضعضع، يتلقاها بصدر أوسع من الدهنا، فإذا جاء الجد فهو الليث عاديا.