الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٠٤304
تحفة الأنام فيما لسمائل الفيحاء من معالم وأعلام
المسلمين، كلّفوكم الإنصاف فأنصفوا ولد الرقاص البرطماني منّي، وأوصلوه إلى حقه كاملا، ولا تأخذكم في الله لومة لائم».
وهنا تنازل ولد الرقاص البرطماني عن دعواه، وعاد الإمام إلى مجلسه في البساط الذي استقرّ عليه عامة الناس الحاكم والمحكوم والقاضي والخصوم، لا تميّز بينهم إلا العدالة والحق وناهيك عن حلمه يربو على حلم الأحنف في زمانه.
وهكذا دأب الخلفاء الراشدين، فعن سالم بن عبد الله: قال: نظر عمر له إلى رجل أذنب ذنبا، فتناوله بالدرّة التي بيده فقال الرجل يا عمر إن كنت أحسنت فقد ظلمتني، وإن كنت أسأت فما علمتني، فقال صدقت فاستغفر الله لي، فاقتص من عمر فقال الرجل: أهَبُها الله وغفر الله لي ولك».
وتخاصم أمير المؤمنين عمر بن المؤمنين عمر بن الخطاب الله الله مع الصحابي الجليل أبي بن كعب في ملكية بستان، فحكما زيد بن ثابت، فأتياه في منزله، فلما دخلا عليه قال له عمر: جئناك لتقضي بيننا، وفي بيته يؤتى الحكم، فتنحى له زيد عن صدر فراشه، فقال: هاهنا يا أمير المؤمنين، فقال عمر: جزتَ يا زيد في أوّل قضائك، ولكن أجلسني مع خصمي، فجلسا بين يديه، فادعى أبي وأنكر عمر، فقال زيد لأبي: أعف أمير المؤمنين من اليمين وما كنت لأسألها لأحد غيره فحلف عمر، ثم حلف عمر لا يُدرك زيد القضاء حتى يكون عمر ورجل من عرض المسلمين عنده سواء». كما تنازع أمير المؤمنين الخليفة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه مع رجل نصراني على دِرْع، فاحتكما إلى القاضي شريح، ولما جلسا عند شريح، قال علي كرم الله وجهه: «يا شريح هذا الدرع درعي، لم أبع، ولم أهب». فقال شريح للنصراني: «ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟».
-
فقال النصراني: ما الدرع إلا درعي، وما أمير المؤمنين عندي بكاذب.