الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٣٧القسم التاسع: الأعلام
في
337
وأجدني أعلّق على الموقف جملة أخرى وهي: إن ذلك الداخل لم يدخل على الإمام إلا من طريقنا، ولم يستأنف الدخول مرة ثانية، ولعلّه حَزّ نفسه من أن المشائخ صالح بن عيسى وسليمان بن حمير طلبوا الدخول على الإمام وهو بحال لا تقبل الأخذ والرد، ولكن لئلا يشجب الموقف، فقد همسنا بأذنه بلطف فتسامح، مع ما يعانيه من إبقاء على ريح إخوانه، وهنا وهم أي المستأذنون يدخلون على إمامهم فلا يرفعون صوتا، ولا يصوّبون بصرا، إبقاء على حاله ورحمة له وإذا بهم يخرجون واليأس
يخيم على نفوسهم. وفي يوم 29 شعبان سنة 1373 هـ ونحن نتجرع مضض الأسى من موت فقيد الحق والدين، والعروبة والدنا الرضي إمام المسلمين محمد بن عبد الله الخليلي، وترانا ونحن نحلّ من على عنقه عقد الإمامة التي حلّها الله عنه بالموت، نضعها مع إخواننا المسلمين في عُنُق الإمام الرضيّ غالب بن علي بن هلال بن زاهر الهنائي ببيعة محكمة.
توفّي الإمام صبيحة اليوم المذكور، وكان الفصل مصيفا واليوم قائظا، والناس يمتلئ بهم الحصن ويفيض والسكون يخيّم على القلوب، والصمت يحتكم على الألسن، والدمع كأنما يخترق صفاق العين، منبثقا عن شغاف القلب، كأنّما يفيض بكل ما في القلب من شعور، ويسيل بكل ما في النفس من صبر، ويجري على الخدود متحدّرا عن سعير الأسى، حتى ليكاد يذوي بنضارتها، فلا ترى إلا أعينا كأنما شُدَّت أهدابها بأمراس إلى الأرض، ولا تسمع إلا صدورا تئزّ، وزفرات تتصاعد.
هنالك والحال كما ذكرت إذا بالشمس وهي تبدو في رداء قاتم من السحاب، كأنّما لبسته حدادا على ذلك الفقيد، أو إطفاء لجذوتها المتقدة، لئلا يجد الناس كلفة تحت ذلك النعش، الذي يحمل العالم بأسره، ليضعه في