الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٤١القسم الثالث: سمائل والباروني
141
في أمة وأمة في رجل كان يحمل هموم الأمة بين جوانحه، وهي التي تؤرّق ليله وتشغل نهاره، كان يهتم بجمع كلمة الأمة ورأب صدعها، ورفع كلّ ما كان نازلا بها من المحن والمصائب، ولم يكن متقوقعا على نفسه، وإنما كان رجلا عالميا، وكان يخاطب جميع ذوي الاختصاصات بألسنتهم، فكان يخاطب الساسة بمنطق السائس السياسي المحنّك العارف بمداخل الأمور ومخارجها، كما كان يخاطب العلماء بمنطق العالم المحقق الفاهم الداري بما يتحدّث فيه.
هي
ومن عنايته البالغة بهموم الأمة، تلكم الخطابات التي وجهها إلى مؤتمر نزع السلاح، كان يوجه رسالة إثر رسالة من أجل أن يبصرهم بالحقيقة، وقد كان ساسة الدول هم المؤتمرون المجتمعون، فكان يوقفهم على الحقيقة ويبصرهم بها، وهذا يدلّ على حنكته السياسية بجانب درايته العلميّة، وكان مما خاطبهم به أنه لا سلّم مع الاستعمار، وأن المشكلة كلها إنما ببقاء الاستعمار، وأنّ الحرب إنما تنتهي بانتهاء الاستعمار، كما ذكرهم بما عسى أن يترتب لو شُنّت حزب مستقبلية على هذه الدول المستعمرة، ذلك لأن الشعوب كلها تريد أن تنتعش، وكلها تريد أن تتحرّر، لأنّ الحريّة إنما هي مطلب فكري لكل شعب من الشعوب، بل لكلّ فرد من الأفراد، فما من أحد يرتضي العبودية لنفسه، وما من شعب أيضا يرتضيها.
وعرفهم بمخاطر الحرب لو شبت، كما أنه كان يوقظ الضمير من الأمة في الدول المستعمرة، أو في البلدان المستعمرة، بحيث كان يبصرهم بأن وعود المستعمرين إنما تنقلب وبالا عليهم، فكم في الحرب الأولى من وقف المستعمرين نظر إلى الوعود التي وعدوا بها وقدّمت الشعوب قوافل من الضحايا في الحرب العالمية الأولى، وكانت نتيجة ذلك أن تلك الدول لما خرجت من الحرب إنما عاملت هذه الشعوب بمزيد من القهر وعاملتها بمزيد من الاضطهاد،
فكل من طالب بإنجاز الوعود كان مصيره إما إلى السجون وإما إلى المشانق