تحفة الأنام فيما لسمائل الفيحاء من معالم وأعلام عبد الله بن راشد بن عزيز السيابي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٤٣

القسم الثالث: سمائل والباروني

143

يجمع

النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام أولى بهذه الأمة، وأنّ هذا الذي الشتات ويلمّ الشمل ويقضي على هذا الخلاف ويجعل الأمة، كما قال الرسول: ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والشهر».

ولا ريب إن هذه الدعوة إن كانت تدلّ على شيء، فإنها تدل على أنّ الداعي إليها إنما كان يحمل هموم الأمة جميعا، ويرى الأمة كيف استضعفت، وكيف أُهينت، وقد أدرك أنّ التفاف الأمة بعضها مع بعض هو الذي يرتفع بها ويرتقي بها، وأنّ الاختلاف هو الذي يمزّقها كلّ ممزق، ويُطْمِعُ أعداءها فيها، وأن دعوة القرآن إنما هي إلى الوحدة والتآلف، فالله يا الله يقول: ﴿وَلَا تَنَزَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].

ويأمر الله الا الله بالاتحاد، كما يأمر بالإيمان والإسلام، فالله تعالى يقول: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَانِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 102، 103].

ويحذر القرآن الكريم هذه الأمة أن تنقلب إلى ما انقلبت إليه الأمم الأخرى من التفرّق والاختلاف والتنازع والتناحر والتدابر، إذ يقول الله لا: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ

تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَتْ وَأُوَلَيْكَ هُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105].

إن من كان يدعو إلى هذا ولا سيما في ذلك الوقت الذي كانت تتأجّج فيه العصبيات، وكان كلّ أحد يستمسك بما وجد عليه أسلافه، ولا يريد أن يترك شيئا من ذلك أو يتسامح في أيّ ذرّة من هذا لا ريب أن هذه الدعوة تدل على أن الداعية لم يكن يحمل هموم نفسه أو هموم أسرته أو هموم مجتمعه فحسب، أو هموم مذهبه فحسب، وأنما كان يحمل هموم الأمة جميعا، فإذَنْ الأمة بحاجة إلى أن تدرس تراث أمثال هؤلاء الأعلام، الذين كانوا يدعون إلى جمع الكلمة،