الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٧٨178
تحفة الأنام فيما لسمائل الفيحاء من معالم وأعلام
وكان الوالد يتأمل وجه الباروني ويستقرئ تصاريف الأقدار، فهذا الباروني القادم من ذُرى نفوسة الساطعة بعمائم الإباضيين، يعود إلى نزوى ليجلس ركبة بركبة مع إمام الدولة، الإباضية، ثم ينتقل إلى سلطان الدولة الإباضية، وهو اليوم في هذه السيارة يجلس كَتِفا بكتف مع الشيخ علي بن عبد الله الخليلي والي السلطان الإباضي وقنطرة الخير بين مسقط ونزوى.
وفيما كانت الطرق الترابية تهبط بالسيارة، وتصعد كان الوالد طرفا في
6
حوارات طويلة ومعمّقة في تاريخ عمان حيث كان الوالد والشيخ علي الخليلي يسهبان في استعادة الأمكنة وسادة الأمكنة والأحداث التي صنعت مجد الأمكنة، وكان الباروني بين فترة وأخرى ينقل النار إلى قرصه، فيتحدّث عن العثمانيين والطَّلْيان والاستعمار، الذي يقبض بخناق الأمة، وما تواجهه دول شمال إفريقيا وكنانة العرب وفلسطين والشام والحجاز من مخاطر وتحدّيات.
انتهت المهمة ورفع الباروني تقريره إلى بيت العلم، وجلس ينتظر أن تكبر بذوره التي غرسها في حقول الحلم بغد عماني جميل، إلّا أنّ الوضع في قصر العلم وإن بدا فيه السلطان سعيد بن تيمور شابًا منفتحا على عصره، إلّا أنّ الموارد المالية خذلت السلطان، والأحداث هزّت ثقته في كلّ شيء، فبدلا من أن يطوّر مؤسسات الدولة التي شكّلها والده كمؤسسة مجلس الوزراء، إذا بالسلطان سعيد يلغي المجلس ويستبدله بنظارات للداخلية والخارجية ونظارة للمعارف، فلم يتمكّن الباروني من أن يتحرّك في إصلاح ما أفسدته قساوة الظروف السياسية، فبدأ من جديد ينسحب من المشهد، مكتفيًا بتقديم المشورة والإبقاء على الصلة مع السلطان سعيد كصديق على مدى عقد من الزمان.