تحفة الأنام فيما لسمائل الفيحاء من معالم وأعلام عبد الله بن راشد بن عزيز السيابي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٦١

القسم السادس: الأدب، واشتهار سمائل به، ومجالسها الأدبية

261

(2)

إن الشعر للسان العربي صيقله يصقله ويشحذه حتى ليكاد يخطف زُبَر (2) البرق متنزّلة في أقصى سرعتها، وأشدّ اندفاعتها، كما أنه للقلب الذكيّ مُنْصُلُه (3) الذي يجرده القضاء والقدر على الرقاب المارقة، وهو علي زند مفتول، وقلب وقاب بين أضلاع حُرّ كمي لا تكذبه وثبته، ولا تنزلق به عثرته، ولا يخطئ مرماه. إن الشعر لمدرسة للمبتدي، وجامعة للمنتهي، ودراسات عليا للمتفوّق، وغاية قصوى للطامح، وعليه تدور رَحَى لسان الضاد، فهو فلَكُها الدوّار، وقطبها الذي عليه يحلّق الأديب إلى أقصى سماء الجاذبية، وبه يصل إلى غايته العلوية، وبه يقعد على منصته السحرية.

وعلى وحيه يقف خطيبا على منبره، يأخذ بمجامع القلوب، ويهيمن على مدارك العقول البشرية.

إن الشعر لمركبة فارهة يطير الخيال بين أجنحتها، وتفرّخ الحقيقة فوق عروشها، ويستدرُّ البيان دَرَّة، ضرعها، وتنحسر الغايات دون بلوغها، وتتقاصر الأفهام عن دركها.

إن الشعر لهو الكفء الذي ترضاه الضاد لصيانتها، وتأنس إليه السليقة في تدافعها، وتهفو إليه الطبيعة في تناسقها، إنه لَلْمَنْهَلُ الخَصْب، والمورد العَذب الذي يأخذ اللبيب عن لُبّه، ويروض الفارس في بغده وقربه.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع الشعراء ويهش لهم، ويكافئهم على شعرهم، فانظر إلى كعب بن زهير، الذي أهدر الله، دمه، فلم يجد من يشفع له، فتلطف حتى تمكن من إلقاء قصيدته المشهورة والتي مطلعها:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يُفد مكبول

(1) صيقله: جلاؤه الصيقل: الذي يجلو السيوف ويشحذها.

(2) زُبَرُ البرق: القِطَعُ الضخمة منه.

(3) المُنْصل: السيف.