الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٦٣القسم السادس: الأدب، واشتهار سمائل به، ومجالسها الأدبية
263
كما أنهم وُلِعوا بالهجاء فهَجَوْا الرجل والقبيلة بدون استحياء، ونسبوا إلى كرام الرجال أراذل الأعمال، وإن شئت أن ترى البرهان على ذلك فارجع إلى دواوينهم لترى بعيني رأسك، وانظر في سياق الآية فإنها لن تمس الشعر، ثم استثنى الله، ويا لَحُسْن ما استثنى، إذ قال جل وعلا: {إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَأَننَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ
يَنقَلِبُونَ} [الشعراء: 227].
أما ما قاله عزّ من قائل في نبيه الله: (وَمَا عَلَّمْنَهُ الشَّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْهَانٌ مُّبِينٌ} [يس: 69]، فالذي يبدو أن الله تعالى هيأ نبيه ورسوله الأعظم، وأعده للناموس الأكبر، ولما يستنزل عليه من لدن الله من الذكر الحكيم، الذي ـا نبع البيان إلا منه ولا تجلّت الحكمة إلا عنه، مع ما فيه من سياسة البشر أمرا ونهيًا، وحَلَّا وعقدا وأحكاما وإحكاما في تعاليم قيمة، وآيات بينة.
وقال علماء التفسير: إن القرآن نزل نظما، فلَعَمْري إنه لنظم يكبر عن النظم، ونثر يهيمن على النثر والنظم، فهو في مستوى لا ينافسه فيه منافس، ولا يزاحمه
مزاحم، بل ولا يتحدّاه إلا مكابر يخور دون غايته، ويندحر عنه قبل نهايته.
ولقد رصدته قريش محاولة أن تشوّه به ففوجئوا بما أفحمهم وألجمهم بطينة الغرق التي ألجم بها فرعون، وتحداهم العزيز الحكيم أن يأتوا بمثل القرآن أو بمثل سورة منه أو آية من آياته وكانوا على قمة الفصاحة والبلاغة، فعجزوا وما استطاعوا أن يقولوا شيئا، مع أنهم كانوا متلهفين للنيل منه، والجدل فيه ولكنّهم وجدوا ما لَا يَأْتِيهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حكيم حميد} [فصلت: 42].
أما ما قاله بعض العلماء وأحسبه الإمام الشافعي:
ولولا الشعر بالعلماء يزري لكنت اليوم أشعر من لبيد