الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٦٤264
تحفة الأنام فيما لسمائل الفيحاء من معالم وأعلام
لو أمعنا فيه النظر لقلنا لعله من جانب ما قيل: إن العلماء خلائف الأنبياء ووارثوهم، والأنبياء لا يقولون الشعر، لكن هذا عند أفراد من العلماء، ولعله لم يفسح لهم في الشعر، أو ليست لهم فيه هواية.
أما جلُّ العلماء فإنهم يقولون الشعر ويتغنون به، وبعضهم يجيده، وإن الشعراء أنفسهم لتجد فيهم المجلي، والمصلي، والسكيت).
إن الشعر لموهبة من مواهب الله ول، يتنزّل بها إلهامه، على من يشاء من
عباده، وكأني بذلك نابع من قوله تعالى: {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قدير) [فاطر: 1].
ولكن الشاعر قد يحسن الصناعة فينهد متفوّقا، وتعلو درجته، ويقال عنه إنه
ج
مُفْلِق، وقد يسيء الصناعة فيدخل تحت قوله: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَزَقْنَهُ مِنَا رِزْقًا حَسَنَا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُان الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [النحل: 75]، أو يدخل تحت لعنة الشعراء، ورجال الأدب فيخرج من الحلبة إلى ما لا رجعة ولسنا بحاجة إلى أن نقول كما قال المشعوذون: إن الشعر إيحاء شيطان، أعوذ بالله، {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) [الجن: 6]، فمَن يا تُرى يلقيه في رُوع ذلك الشيطان، جلّ الله وتسامى وعزّ شأنه.
إن مواهب الله أكثر من أن تحصى، وأكبر من أن تحصر، ولا ولن تجد كنزًا موهوبا، ونعمة فائضة إلا من قبل الله، ألا ترى وأنت تقرأ عن شاعرين مفلقين، أو عن شعراء مجلّين فتقرأ ما يشدّك ويأخذ بمجامع قلبك، ولكنّك قلما تجد تقاربا بين المسالك، ولا تناسبا بين المآخذ، فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ} [المؤمنون: 14].
(1) درجات السباق للخيل، المجلي هو الأول، والمصلّي الثاني، والسكيت آخرها.