تحفة الأنام فيما لسمائل الفيحاء من معالم وأعلام عبد الله بن راشد بن عزيز السيابي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤٧٥

القسم الثامن: المقامة السمائلية

475

(1)

يا بني أن تزيدنى من هذا الكلام لتفيدنى، فإنّي والله لمُعْجَبٌ بفصاحتك، ومأخوذ بصباحتك، كما إنّي مَشْدوه ببلاغتك، ومَشْدُودٌ إلى براعتك، ودَهِش لرجاحة عقلك، ولجزالة قولك.

قال: إنّ ألذ الكلام ما واكَبَه الانسجام، وخيرُه ما ظهر صدقه، وشَفَّ عن الحقيقة حقه، وهَبْ أَنَّا مَلَلْنا من النثر، فلْتَنْقَلِبْ عنه إلى ساحر الشعر (2)، فإنّه الحكمة البالغة، والآية الدامغة، لكن إذا دَقَ معناه، ومَتُنَ مبناه، ورَقَ أسلوبه، وتفاعل سالبه ومسلوبه، وانسجمت ألفاظه، واشتدّ للقلوب إيقاظه.

قلت له وقد بهرتني موهبتُه وبزّتني معرفتُه: لقد أجدت فنون النثر، وبرعت في اختراع المعنى البِكْر، فهل تنظم الشعر أم ترويه؟ قال بل لعمّي أرويه، قلت: شنّفْنا (3) من شعره الرقيق، في كلّ معنى دقيق، وإني لَئِلَى جديده، أشوقُ مني إلى بعيده، قال: هل لك إلى القصّة في الشعر، وإلى الأطروفة في بيان السِّحْر؟ قلت له نعم، وإنها لَمِنَ النّعم، قال: إليكَها في نَغَم هادئة، فامْسَحْ بها القلوب الصادئة.

من للوصال كُؤوسًا واللقا حَانا وللهوى الطافر (4) المشدوه فنّانا وللطفولة تستعدي تفاعلها والدمع يستنزفُ الآمَاق تَهْتانا (5) تشكو الغرامَ فيَشكيها بلوْعته 1 ولو أطاق لراض العدل ميزانا

(1) شَدِه فلان دهش وتحيّر.

(2) في نسخة: جيّد الشعر.

(3) شَفَ الآذان بكلامه: أمتعها به.

(4) الطفر: الوثب في ارتفاع. (5) الآماق: طرف العين ممّا يلي الأنف، وهو مجرى الدمع. هتنت السماء: هطل مطَرُها بتتابع.

هتن الدمع: سال وجرى قطرة قطرة.

(6) اللوعة: حرقة في القلب وألم يجده الإنسان من حبّ أو هم أو نحو ذلك.