تحفة الأنام فيما لسمائل الفيحاء من معالم وأعلام عبد الله بن راشد بن عزيز السيابي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤٨١

القسم الثامن: المقامة السمائلية

481

رآها وهي

تنظر في الكتاب، وكأنما تسجد في المحراب، والدمعُ يخدّدُ خدها الأسيل، ويغرق أحوار الطرف الكحيل، وهو يرقُبُها بالأبصار، في شيء من الانكسار لئلا تدرك منه انتباهه، فتظفر بها الانتباهة، حتى قامت لما يلهيها، وهو ينظر فيها نظرة يخفيها، فأخذ الكَتِف فقرأ ما به من رقيق العبارة، وفهم

(1)

ما دشه من لطيف الإشارة، فكتب تحته في رصين من التعبير، ورقيق من التحبير ما كاد يسيل من بِرّه، وينبض عن نبضات سِرّه، ويدبّ في الخلجات (1) من نفثات، سحره، إلا والبيتان هما كما ستنظر هما:

6

لا فرق الله شملا كان بينكما وظل واشِيكُما (2) حيران تعبانا أمّا الفقيه فلا والله ما نظرت عيناي أفسق منه قط إنسانا ورد الكتف إلى مكمنه، لما بلغ قرارة مأمنه، فلما رأى العم هذه الأبيات المغريات، ورأى ما فيها من النفثات، وما عليها من حسن اللفتات، وما بها من الصراحة، ومن الهمم المتاحة، بسط خلفَها جناحه، حتى اصطادها فيما اصطاد، وطوعها لما اراد فكانت شاردته وواردته ووافدته وواقدته لأنه ابصر فيها من رونق الغرام ورقيق الكلام حتى ما يقوّس اللحظات، ويوسع الخطوات، ويزج (3) بالأديب، في مهوى من مهيع (4) رهيب، وأبعاد من مطلع رحيب، في الغَلوة (0) القصوى من غاية النجوى، والجياد تستبق، والفرسان

تعتنق، والكاشح يختنق.

(4)

(1)

جمع

خلجة ما يتخالج في الصدر ويتوارد.

(2) وشى الكلام وشى في الكلام: كذب فيه.

وشي الكذب ألفه وزينه ولونه.

وشى بفلان إلى الحاكم نمّ عليه وسعى به، نقل شيئا عنه بخُبث.

(3) زج الرجلُ والظليم طالت ساقاه وتباعد خطوه.

(4) المهيع من الطريق البين.

(5) الغلوة: مقدار رمية سهم، وتقدر بثلاث مئة ذراع إلى أربع مئة.