الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٤٩القسم التاسع: الأعلام
249
ومن جملة الأماكن التي يمرون بها صحراء تسمّى (حَرَض)، وهي قاحلة، تسير القوافل فيها سبعة أيام بلياليها بدون ماء، إلا ما تزوّدوه في الأشنان والقرب، لشرابهم وطهي طعامهم، ويتيممون للصلاوات، وضوءا أو طهارة لمن أجنب محتلماً.
وهذا المكان بعد مركز الحدود الحالي الذي نمرّ عليه ونحن قادمون من عمان، المسمّى البطحاء) وقد مررت عليه ووقفت في إحدى محطاته، والتي فيها من الطعام والشراب ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وتذكرت أبي رحم الله وهو عن هذا المكان وما فيه من المعاناة لمن يمر به، فحمدت الله على نعمه الوافرة وآلائه المتكاثرة في هذا العصر، والذي يخرج فيه الحاج من عمان وإلى إليها لا يحتاج زادا ولا فراشا إلا نقودا في جيبه.
يخبرنا
أن
يرجع
وحدثني أبي نعم الله أنه لدغته عقرب صفراء في ليلة من ليالي تلك الصحارى، فأصيب بحُمّى لمدة ثلاثة أيام لا يستطيع فيها حتى الإمساك بخطام ناقته أثناء السير، وإنما ربطت مع ناقة أحد رفقائه في السفر.
ويمرون على مياه كريهة الرائحة لا يستطيعون شربها، وإذا شربتها نوقهم فإن
الماء لا يلبث في بطنها، بل تخرجه سريعا.
وفي وقت الشتاء تتجمد المياه فيفرغونها من الأشنان الجلدية ليلاً في أواني معدنية، حتى لا تبيت وتتجمد في الأشنان، وإذا تجمدت في إناء معدني فيسهل تسخينها صباحا، ويقطعون الطريق من عمان إلى الأحساء بالمنطقة الشرقية من المملكة في أربعين يوماً، أربعين يوماً، ومن الأحساء إلى الرياض في عشرة أيام، فتلك خمسون يوماً، فإذا وصلوا الرياض باعوا نوقهم، والناس يتسابقون في شرائها، لجودة النوق العمانية.
ويمرون في طريقهم على صحراء قاحلة لا شجر ولا حجر فيها، ويوقدون ببعر الجمال، فإذا أرادوا أن يعملوا خبزا حفروا حفرة في الرمل وملاؤها بعراً وأشعلوا النار