الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٩ف الكتيبة
48
الجزء الأول
صاحب الجزيرة الذي لا يجد الخروج ولعله لا يوجد.
وزعمت المعتزلة فيمن لم يسمع وله عقل صحيح أنه مكلف بكل ما يدركه عقله، وحطوا عنه كل ما لا يدركه حتى يسمع، ويناسب ما ذهبت إليه قول أصحابنا أنه من سمع عن النبي وآمن وغاب ونزل بعد غيبته ما لم يسمعه من فرض كصلاة، أو تحريم ما لا يدرك تحريمه بالعقل، أو نزل ما نسخ ما سمع، فإنه لا يكلف بما بعد غيبته حتى يصله الخبر.
ومن كلام أصحابنا الله أرأف وأكرم من يؤاخذ من كان في الصين أمرا أمر به من كان في الحجاز، ومن كلام أصحابنا: أنَّ الحجة قامت بالكتاب والرسل مع العقل، فإن كان من حين النزول - كما قال به بعض أصحابنا - فتكليف ما لا يطاق بأن يكلف أهل الأرض كلهم بما نزل به جبريل في الحين قبل رجوعه إلى السماء، وإن كان بعد مدة فما قدرها؟ وما الفرق بين هذه المدة وما بعدها وما قبلها؟ وإلام تنتهي؟ فقد تطول جدا. ويناسب ما ذهبت إليه أنَّ من كان على دين نبي ولم تبلغه دعوة نبي بعده معذور لو وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَنَهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ (1) فإذا هداهم إلى التوحيد بالأدلة التكوينية لم يعاقبهم ولم ينسبهم إلى الضلال حتى يبين لهم دلائل السمع بالبلاغ قال بعض الأشاعرة: "الخلاف في أهل الفترة إنما هو بالنظر إلى عقائد التوحيد، وأما عدم تكليفهم بالفروع فمحل اتفاق، وهو مناسب لقولي إنهم مكلفون بالتوحيد إذ لم يسمعوا؛ لأنَّ معهم دلائله وهي المعجزات التكوينية، والعرب الجاهلية إن لم تصلهم دعوة إسماعيل الي فقد وصلتهم دعوة موسى أو غيره من أنبياء بني إسرائيل، ومن لم تصله هلك بجهل التوحيد.
(1) سورة التوبة: 115.
"