الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٦٧367
الباب الثالث: في براهين الإيمان
دران
ذراته، وجميع
إن القارئ المنصف لا يجد إلا أن يطأطئ رأسه ويحني ظهره أمام هذه الحقائق التي تشده إلى الإيمان بمن خلق هذا الوجود، فأعطى كل شيء خلقه ثم هدى ونظمه هذا التنظيم الدقيق فانتظمت جميع مركباته، وجميع أجرامه، وجميع مجراته فلم يقع بينها صدام، ولم يحصل فيها نشاز، بل أصبح الكون بهذه الأطراف المترامية وحدة واحدة متكاملة الأرجاء منسجمة في حركاتها جميعا، فهل يبقى مع هذا شك في كونه أخرجته إلى الوجود إرادة واحدة وهي التي تتولى تصريفه، وتدبير كل ذرة منه. وإذا كانت الأمور يُحَكَّم فيها القياس، ويعول فيها على الاستقراء، فحسب كل أحد أن يتأمل البيت الذي يعيش فيه ليرى أبوابا وعتبات وجدرانا وسقفًا وخزائن وبلاطا، كما يرى غرفًا ومجلسًا للاستقبال، وقاعة للطعام ومطبخا، ويرى كذلك الحنفيات التي يأتي منها الماء والمصابيح الكهربائية التي تضيء أرجاء البيت وغير ذلك من عناصر المبنى ومحتوياته، غير أنه لا يرى أنابيب الماء والتمديدات الصحية الموجودة تحت الأرض وداخل الجدران التي تأتي بالماء النظيف للمنزل وتصرف عنه الماء المستخدم، ولا أسلاك التمديدات الكهربائية التي تمر الطاقة الكهربائية عبرها، فتضيء المصابيح وتهيئ الأدوات الأخرى لاستخدامها في المنزل، ولكنه يعلم يقينا أن هذه التمديدات كلها موجودة على رغم عدم رؤيته لها، كما يعلم علم اليقين أنّ ثم مهندسا جلس يوما في مكتبه، وقام برسم تصميم المنزل بأبعاده وأحجامه وتفاصيله كلها، كما يعلم أن عدة فرق من العمال قامت بتنفيذ هذا التصميم كل حسب اختصاصه منهم من قام بالبناء وآخرين بالتمديدات، وغيرهم بالتشطيبات،.وهكذا. كل ذلك حسب التصميم الذي قام به المهندس المصمم، وهذه طريقة متبعة نعلمها جميعًا إذا ما رأينا أي مبنى من المباني، سواء كان مسكنا أو مدرسة أو مقرًا لإدارة الأعمال، أو مسجدًا أو أي معبد آخر، ولا يمكن أن