الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٦٨368
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
نشهد أي مبنى يخطر ببالنا ولو لحظة يسيرة أنه تم بناؤه بالمصادفة، ولم
يسبقه تصميم من أحد، ولم تتدخل يد عامل في إنشاء هذا البناء".
جميع
وإذا كانت هذه حقيقة مسلمة عند العقلاء لا يماري فيها أحد عندما تقع عينه على أي مبنى يراه فكيف تند عن العقول عندما يفتح العاقل بصره على هذا الكون؛ فيراه بهذه الحالة التي تدهش العقول وتحير الألباب، من عجيب الصنع وبديع الإتقان، مع العلم اليقين بأنه كان عدما ثم خرج من العدم إلى الوجود.
وإذا كانت العقول جميعًا تأبى وترفض أن تكون خيمة من شعر أو وبر انتصب عمودها فاجتمعت إليه أجزاؤها وقامت عليه إلى أن انتظم بناؤها من غير أن تتدخل إرادة أحد أو تقوم بهذا العمل يد فكيف يمكنها تصديق أن هذا الكون بنفسه خرج من العدم إلى الوجود من غير أن تسبق ذلك إرادة أو تصرفه قوة وهل هذا إلا تخبط يتصادم مع العلم والعقل ومع الواقع المشاهد في تصاريف الحياة؟؟!.
وإذا كانت مادة الكون هي في الأصل طاقة؛ فإنّ الطاقة نفسها لا يمكن أن تخرج نفسها من العدم، كما لا يمكن أن تكون أزلية الوجود، فإنّ الأزلي لا يتحول عن وضعه ولا ينتقل عن حاله بذاته ولا بتأثير غيره، فإنّ تبدل الأحوال دليل قطعي على الحدوث، ولا يمكن لأي معدوم أن يشق حجب العدم، فيبرز بنفسه في ساحة الوجود، وبهذا يتضح أن كل ما في هذا الوجود طارئ وجوده بعد أن كان في طوايا العدم ما عدا الموجد لكل شيء، الذي هو واجب الوجود لذاته.
وهذا ما تعبر عنه جميع الموجودات بالسنة حالها، فمن أجزاء الذرات وما تحتويه من مركباتها إلى الكون الفسيح بكل أبعاده وجميع مجراته وما (1) ينظر؛ المرجع السابق، ص 88