الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٠٥الباب الثالث: في براهين الإيمان
405
تفاعل، ولكن هل يدل ذلك على أنه لم يعد الله مكان في كونه؟ فمن إذن الذي دبر لهذه التفاعلات أن تسير؟ وأن تسيطر عليها الأنزيمات تلك السيطرة الدقيقة المحكمة؟ إن نظرة واحدة إلى إحدى الخرائط التي تبين التفاعلات الدائرية العديدة وما يدور بين كل منها والآخر من تفاعلات أخرى؛ كفيلة بأن تقنع الإنسان بأنّ مثل هذه العلاقات لا يمكن أن تتم بمحض المصادفة، ولعل هذا الميدان يهيئ للإنسان من العلم ما لا يهيئه أي ميدان آخر بأن الله يسير هذا الكون تبعًا لسنن رسمها ودبرها عندما خلق الحياة.
المادة
فإذا رفعنا أعيننا نحو السماء، فلا بد أن يستولي علينا العجب من كثرة ما نشاهده فيها من النجوم والكواكب السابحة فيها، والتي تتبع نظاما دقيقا لا تحيد عنه قيد أنملة مهما مرت بها الليالي وتعاقبت عليها الفصول والأعوام والقرون، إنها تدور في أفلاكها بنظام يمكننا من التنبؤ بما يحدث من الكسوف والخسوف قبل وقوعه بقرون عديدة، فهل يظن أحد بعد ذلك أنّ هذه الكواكب والنجوم قد لا تكون أكثر من تجمعات عشوائية من تتخبط على غير هدى في الفضاء؟ وإذا لم يكن لها نظام ثابت ولم تكن تتبع قوانين معينة فهل كان من الممكن أن يثق الإنسان بها ويهتدي بهديها في خضم البحار السبعة وفي متاهات الطرق الجوية التي تتبعها الطائرات؟ قد لا يسلم بعض الناس بوجود الله سبحانه وبقدرته، ومع ذلك فإنهم يسلمون بأنّ هذه الأجرام السماوية تخضع لقوانين خاصة وتتبع نظاما معينا وأنها ليست حرة تتخبط في السماء كيف تشاء.
الحق أنه من قطرة الماء التي رأيناها تحت المجهر إلى تلك النجوم التي شاهدناها خلال المنظار المكبر، لا يسع الإنسان إلا أن يمجد ذلك النظام الرائع وتلك الدقة البالغة والقوانين التي تعبر عن تماثل السلوك وتجانسه. ولولا ثقة الإنسان في أنّ هنالك قوانين يمكن كشفها وتحديدها، لما أضاع الناس