مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٣١

الباب الرابع: في استحالة أن تكون الصدفة هي أساس وجود الكون

431

لم يسبق وجوده عدم ولا ينتهي بحال إلى العدم فكيف يتصور وجود الكون وانتظامه ـ بحسب بحسب ما يشاهد من صورته المدهشة، وما يعلم من حقيقته المحيرة، وما يجمع شتاته من نظام دقيق - لو لم يكن وراءه فعل فاعل خبير بكل أمر محيط بكل شيء قدير على ما يشاء، يوجد ما يشاء ويفني ما يشاء، يقول للشيء كن فيكون تنفعل جميع الكائنات لإرادته، وتخضع جميع الموجودات لحكمه؟ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54].

ألا ما أعجب أمر الإنسان الذي أخرجه الله من العدم وأسبغ عليه صنوف النعم، وبوأه مبوأ التكريم من بين خلقه، ورفع قدره بما آتاه من الفهم والإدراك، وهيأ له من أسباب التمكين في الأرض، ومراقي السيادة في الكون، كيف لا ينظر إلى حاله، ويتأمل في وجوده؟ ..

هل يمكن أن يوجد نفسه من العدم من غير أن تتدخل إرادة أحد؟. ألم يكن نطفة مهينة حقيرة، لا تعدو أن تكون خلية تدق عن الإبصار، فلا ترى إلا بأشعة المجهر، ومع ذلك هيا الله لها الأسباب حتى التحمت في أعماق الرحم ببييضة الأم بما أودع الله في كل منهما من أسباب التوافق والتواؤم، فدخل بذلك في طور نشأة جديدة كانت سببًا لما تبعها من الأطوار، وقد تعهدته عناية الله وهو في غياهب الرحم، حيث لا بصر يصله فيبصره، ولا سمع ينفذ إليه فيسمعه، ولا يد تمتد إليه فتنفعه وإنما كانت عناية الله وحده، الذي أحاطت قدرته بكل شيء، ووسعت كل ما في أرجاء الوجود، هي التي اكتنفته فأحسنت رعايته منذ كان في طوايا العدم، وإلى أن حل في تلك الظلمات، وما من مراحل نموه ولم يحل دون هذه الرعاية شيء من الحواجز والحجب لأنها ممن يستوي عنده الغيب والشهادة، والظاهر والخفي، فلا يحجزه شيء عن إبصار كل ما في الكون، وسمع كل ما في الوجود، وظل يرعاه وراء تلك الظلمات الثلاث حتى برز من عالم الغيب إلى عالم

تبع

ذلك

كذلك