الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٣٣الباب الرابع: في استحالة أن تكون الصدفة هي أساس وجود الكون
433
القوة والضعف، وبين الهمة والخمول، وكل ذلك إنما يرجع إلى قدرة قدير وصنع حكيم، ففي كل شيء من ذلك حكمة بالغة، إذ لو كان الناس على قدر واحد لما تميز بعضهم على بعض ولما احتاج بعضهم إلى بعض، وبهذا تنحل العرى فيما بينهم، لو أنّ الطبيعة أفرزتهم جميعًا في حالة واحدة ونظام واحد، ولو كان هذا التفاوت يرجع إلى اختيارهم لما اختار أحد لنفسه إلا أن يكون متفوقا في جماله، ومتميزًا بقوة مداركه العقلية وطاقاته الجسمية، ما يميز بعضهم على بعض.
وجميع
ومثل ذلك يقال في خلق جميع الكائنات فمن أدق الأشياء إلى أوسعها تطالع الإنسان فيها حكمة الله البالغة وعلمه الواسع، وقدرته على كل شيء، وأنى يكون ذلك للطبيعة الميتة الجامدة الصماء العمياء الجهول، فكل ذي عقل يدرك أنّ هذا الخلق لم يكن لهوا، وعبنا، وأنهم إنما خلقوا عن علم وحكمة وتقدير لأن هذا الخلق ينطق عن حكمة بالغة، وقدرة قادرة على كل
6
شيء، وعلم محيط بكل شيء .. ومن كانت تلك صفاته لا يكون منه لهو أو عبث .. ثم إنّ هذا النظام الدقيق المحكم الممسك بكل ذرة من ذرات الوجود، أيدخل عليه شيء من اللهو والعبث؟ إنّ اللاهي العابث، لا يتقيد بنظام، ولا يجرى أعماله على توافق وترابط، وانسجام، بل يفعل ما تمليه عليه نزواته، وما تصوره له أهواؤه! وإذن فالناس لم يخلقوا عبثا، ولم تجئ بهم الصدفة، كما يقول بذلك الماديون والملحدون وإنما هم غراس غارس حکيم عليم قادر، مدبر ..
هذه قضية .. لا بد من التسليم بها، وفي إنكارها مكابرة في الحق، و مجادلة بالباطل .. )).
(1) الخطيب؛ عبد الكريم يونس: التفسير القرآني للقرآن سورة المؤمنون (الآية 115)، مج 1182/ 9، دار الفكر العربي - القاهرة، ط: 1390 هـ / 1970 م.
(0)