مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٤٣

الباب الرابع: في استحالة أن تكون الصدفة هي أساس وجود الكون

وإذا كان

جميع

443

العقلاء يدركون بالبديهة أنّ هذه الدعاوى ليس لها نصيب

من الحق أو حظ من الدليل، ولا يمكن أن تجد قبولا عند أي عاقل من العقلاء - مع كون هذه الآلات جميعًا قائمة موجودة وقد صنعت بتصميم وتنفيذ محكمين - فاعجب ممن يستسيغ ويصدق أن هذا الكون الواسع بأبعاده المترامية، ومجراته المتنائية، وأجرامه المتكاثرة، تنتظم حركاته الدقيقة من غير أن يكون وراءه من يصرفه أو يوجهه، ومن غير أن يقع أي خلل في نظامه، ولا تصادم مزعزع بين أجرامه ولا تداخل فوضوي بين جاذبياتها، ولا تعارض بين طبائعها، وإنما يسير كل في مجراه، ويؤدي دوره الإيجابي في المنظومة الكونية جميعًا، فلا يتضعضع أي جرم منها بتأثير ما يزيد عليه بأضعاف - لا تدخل تحت حساب البشر - في حجمه وطاقته، ولا يتزعزع بقوة حركته التي هي أضعاف قوته وإنما يبقى كل منها سابحًا في فلكه، شاقا طريقه في دائرته فهل يمكن أن يكون ذلك كله بحركات عشوائية من هذه الأجرام من غير تدخل من أحد أو تدبير من قدرة قاهرة، وحكمة باهرة، دعواهم أنّ الكون بذاته أوجد نفسه من العدم، وأعد نفسه

ذلك والأعجب من هذا الإعداد المحير المدهش ونظم كل ما فيه من دقائق ما اشتمل عليه إلى جلائلها من ذراته المتناهية في الصغر، التي لا تبصر إلا تحت أشعة المجهر، إلى مجراته الواسعة التي تحار العقول من طولها وعرضها؟.

هذا؛ مع ما هو معلوم أنّ كل ما هو داخل في تضاعيف الكون متفاوت تفاوتا عجيبًا، فبغض النظر عن الدقائق الجزئية في الكائنات، فإنّ الأجرام الفلكية نفسها متفاوتة في أحجامها تفاوتا كبيرًا، فكم من الأجرام ما هو أصغر من الأرض بكثير، والأرض نفسها بجانب ما يفوقها من الأجرام لا تساوي شيئًا، فالشمس أكبر منها بأكثر من مليون ضعف، وفي الأجرام النائية ما يفوق الشمس بمثل هذا القدر أو أكثر، على أنّ التفاوت كثيرًا يكون فيما بين أجرام المجرة الواحدة، حيث تتجلى دقة التقدير في تنسيق التكوين والحركة، بما