الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٠٤504
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
ومهما يكن فإنّ اللاأدريين ليسوا بمنأى عن رجس الإلحاد كما علمت ويعجب من إلحاقه دوكنز بهذه الفئة مع ما عرف عنه من الإصرار على تسفيه كل من آمن بالله، أو تمسك بشيء من الدين واتهامه الأديان جميعا بالتخلف عن مقتضيات العقول، وأنها منشأ كل ضلالة وفساد في الأرض، مع تجرئه الوقح ببذيء القول في حق الله له الا الله، وذلك مبثوث في مؤلفاته، لا سيما الذي أسوؤهن عنوانًا ومحتوى، وهو الذي سماه وهم الإله ومهما يكن شكه فيما يعتقده أو يقوله، فإنّ ذلك لا يبرئه عن الإلحاد، ولا يخلصه من تبعاته، إذ لا يلزم من الملحد أن يكون في قرارة نفسه مصدقا لما يكتبه أو يقوله، كما لا يلزم أن يكون الكافر موقنا بصدق ما يعتقده أو يقوله، فقد يكون كافرًا نفسه موقنا أنه الحق الذي لا ريب فيه، كما
هو
قال الله تعالى في وصف فرعون وآله عندما جاءهم موسى البينات: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوا﴾ [النمل: 14]، ومثل ذلك ما أخبر به عن أهل الكتاب في معرفتهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وجحدهم إياه: الَّذِينَ اتيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146]، فإنّ هذه المعرفة لم تزحزحهم عن حكم الكفر قيد
بجحوده للحق، ولو كان في قرارة ما جاءهم موسى بآيات الله
أنملة.
وحسبك من دوكنز أن يكون هو حربة الإلحاد ورأس الملحدين في هذا العصر، ولو كان في قرارة نفسه معتقدًا خلاف ما يقوله، فإن تضليله للناس بهذه الشبهات التي تفرزها مكابرته للحق تَدُعُه في مهاوي الإلحاد، وقد ذكر لي بعض الذين سبروا شأنه مما كتب عنه أن له موقفين:
موقف أمام العامة الذين يحرص على أن يضلهم ويرديهم فيما تردى فيه بنفسه من الشر الوبيل فهو عند هؤلاء كما هو في كتبه يحرص على الجحود والإنكار لكل ما يتصل بالدين من الإيمان بالله أو بغيره ويسفه
ذلك أيما تسفيه.