الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥١٣الباب الخامس: في شبهات الملاحدة
513
إذا فقضية الإله الأزلي تتعقل وإن كانت لا تتصور، بل إن العلم المعاصر يقدم لنا مفاهيم لا يمكن تصورها ولكن ينبغي تعقلها، إذ يؤكدها البرهان الرياضي، مثال ذلك ما تخبرنا به نظرية الكوانتم من أن الجسيم تحت الذري يمكن أن يكون في أكثر من موضع في وقت واحد.
قلت: إنّ هذه الشبهة تناولها الحديث الشريف قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، فقد جاء في رواية أنس له عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا خلق الله الخلق؛ فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئًا فليقل آمنت بالله ورسله» (2).
وهو - بلا ريب - يدعو الناس إلى أن يقطعوا عن أنفسهم هذه الوساوس التي يمليها الشيطان عليهم، ليشككهم في الله الله، والحديث جاء بصيغ متعددة من طرق مختلفة، وهي كلها تتفق في فحواها بأن مما يجب على المسلم عندما يتعرض لهذه الشبه من قبل شياطين الجن أو شياطين الإنس أن يلجأ إلى الإيمان بالله فإنه هو الذي يقطع دابر هذه الوساوس، ويستأصل شأفتها، فإن معرفة الله سبحانه بحر لا ساحل له ولا قعر يعجز عقل الإنسان عن العوم في خضمه الثجاج، فلذلك يجب التسليم للحقائق الغيبية، ومهما كان العلم الذي أوتيه الإنسان فإنّه محدود بمحدودية مخلوقيته، وما كان للإنسان أن يتطاول فيتعدى حدوده في هذا، وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85]، وقد قال تعالى في وصف نفسه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110] على أنّ البراهين القاطعة قد قامت حجتها على كل عقل بوجود
(1) المرجع السابق، ص 431.
(2) أخرجه الحميدي؛ مسند الحميدي (رقم: 1153 (488/ 2)، ومسلم؛ صحيح مسلم، کتاب (1) الإيمان، باب (60) بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها (رقم: 134 (343)، ص 700)، وأبو داود؛ سنن أبي داود، كتاب (39) السنة، باب (18) في الجهمية، (رقم: 4721، ص 1570).