الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥١٤514
مصرع الإلحاد بيراهين الإيمان
الله سبحانه وأنّ وجوده ليس كوجود غيره، وهو وجود وجوب لا وجود إمكان إذ هو الأزلي الأبدي ولا يمكن لمن كان كذلك أن يكون مخلوقا لغيره، فإنّ المخلوقية تنافي الأزلية والأولية تنافي الحدوث، وقد تعرض شراح الحديث لمعناه كما في قول القاضي عياض نقلا عن المازري: «أمرهم أن يدفعوا
الخواطر بالإعراض عنها والرد لها من غير استدلال ولا نظر في إبطالها. والذي يقال في هذا المعنى: إنّ الخواطر على قسمين، فأما التي ليست بمستقرة ولا اجتلبتها شبهة طرأت فهي التي تدفع بالإعراض عنها، على هذا يحمل الحديث وعلى مثلها يطلق اسم الوسوسة، فكأنه لما كان أمرًا طارئًا على غير أصل دفع بغير نظر في دليل، إذ لا أصل له ينظر فيه، وأما الخواطر المستقرة التي أوجبتها الشبهة فإنها لا تدفع إلا باستدلال ونظر في إبطالها».
وأضاف إلى ذلك الحافظ ابن حجر ما نقله عن الطيبي أنه قال: «إنما أمر بالاستعاذة والاشتغال بأمر آخر، ولم يأمر بالتأمل والاحتجاج، لأن العلم باستغناء الله جل وعلا عن الموجد أمر ضروري لا يقبل المناظرة، ولأن الاسترسال في الفكر في ذلك لا يزيد المرء إلا حيرة، ومن هذا حاله فلا علاج له إلا الملجأ إلى الله تعالى والاعتصام به (2).
هذا؛ ولا عجب في كون الإنسان يقف علمه قاصرًا عن اكتناه حقيقة معينة، فكم قصرت مدارك الإنسان عن تصور حقائق تتعلق بوجود الخلق، فكيف يتصور يتصور ما هو من خصوصيات وجود الخالق الله، فالحياة كما ذكرنا أكثر من مرة لغز لم يصل الإنسان إلى حله بمقاييس علمه، ولا حل له إلا
(1) اليحصبي، القاضي عياض بن موسى بن عمرون السبتي: إكمالُ المُعْلِم بِفَوَائِدِ مُسْلِم، 429/ 1، تحقيق: الدكتور يحيى إسْمَاعِيل، دار الوفاء - المنصورة، ط 3: 1426 هـ / 2005 م. (2) ابن حجر فتح الباري شرح صحيح البخاري، 441/ 6، رقم كتبها وأبوابها وأحاديثها محمد فؤاد عبد الباقي دار السلام - الرياض، ط 3: 1421 هـ / 2000 م.