الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٢٤524
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
وآثر أن يصلى النار في هذه الدنيا بعيد موته برغبته قبل أن يصلاها عندما يبعث مكْرَهَا، وقد دفع بنفسه ثمن حتفه واختاره على الحياة، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشَى [النازعات: 26].
هذا؛ وقد يشتبه على من لم يكن راسخ الإيمان ما يصدر من بعض الملاحدة من اعتراض على الله تعالى في أمر الخلق، كقول بعضهم: لماذا لم يأخذ الإله رأيي قبل أن يخلقني؟ وبأي حق يحاسبني إن لم أعبده، ألست حرا؟.
كان
وهذا كله
يرجع إلى المكابرة والعناد وإلا فما بال الإنسان الضعيف الناقص الجهول يتطاول على الله القادر القاهر، الذي له الكمال المطلق، وقد أحاط بكل شيء علمًا، فخلق البشر إنما كان لحكمة علمها الله تعالى، وإن منهم من يعترض عليه بجهله وعناده، فإنّ السواد الأعظم من الناس قريرة أعينهم راضية نفوسهم بهذا الخلق، إذ لو لم يخلقوا لما أتيحت لهم معرفة أي شيء، ولم يتمكنوا من الاستمتاع بأي شيء من متع هذه الحياة، ولم يكن الخالق العظيم في شيء من خلقه عابثًا، تعالى الله ذلك، أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115].
عن
ولأن الحياة الدنيا لم تكن مهيأة لأن يستوفي فيها الإنسان جزاء عمله خيرا كان أو شراء لأنها حياة موقوتة، وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون أحوال الناس فيها متباينة - ولا يعود هذا التباين في الرخاء والشدة والراحة والتعب والنعيم والبؤس إلى اختلاف أحوالهم بين البر والفجور، وبين الاستقامة والانحراف - لهذا كان استيفاء الجزاء على البر أو الفجور مرهونا بالانقلاب إلى الله تعالى في الدار الآخرة، ولم يكن التكليف بالعبادة إلا لإتاحة الفرصة للناس أن يشرفوا بالاتصال بالله الله، ويهذبوا بذلك أنفسهم، ويقوموا به اعوجاجهم لتكون علاقة بعضهم ببعض علاقة بر وإيمان وتعاون على الخير، وتشارك في المسئوليات.