الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١١٧117
دوت حناجر المعجبين به بالدعاء له بالرحمة والرضوان، وأن يبوئه الله
منازل الأبرار.
(1) شاع عند كثير من الناس الدعاء بالرحمة لمن مات ولو كان كافرًا كنودًا أو ملحدا معاندا، وهذا مما يأباه القرآن ناهيك أن الله سبحانه لم يجامل عبده نوحا عندما أشار إلى الدعاء لابنه بالرحمة - مع معصيته له - بتعريض من غير تصريح، إذ قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَكِمِينَ﴾ [هود: (45)، فكان الرد من قبل الله صارمًا، قَالَ يَنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرُ صَلِحَ فَلَا تَسْتَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعْفُلكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ} [هود: 46] فترى أن الله سبحانه عاتبه على هذا التعريض عتابًا شديدًا، وبيّن له أنه ليس من أهله، وعلل
ذلك بعمله غير الصالح، وأتبع ذلك موعظته أن يكون من الجاهلين، فما كان من نوح إلا أن أدرك خطأه، وخطورة ما أقدم عليه، فأذعن الله تعالى خاضعا مبتهلا، متوسلا إليه بأن يجنبه شر ما أقدم عليه، كما حكاه الله تعالى في قوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَا لَيْسَ لي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَسِرِينَ﴾ [هود: 47]. ولربما جادل في ذلك غمر أو معاند بدعوى أن رحمة الله وسعت كل شيء فلماذا تحصر في أصحاب دين بعينه؟ وجواب ذلك أنّ الله الذي أخبر بسعة رحمته هو الذي حصرها في فئة مخصوصة من الناس عندما قال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَنْقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوْةَ وَالَّذِينَ هُم بِنَايَتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُتِيَ الَّذِي يَجِدُونَهُ ممَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبيثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَعْلَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، وَعَزَرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ أَوَلَتَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 156 - 157]، وأين هذه الصفات التي وصف الله بها المستحقين لرحمته الذين آثرهم بها دون من سواهم، من صفات الملحدين والمشركين والمفسدين في الأرض، قد بين الله تعالى في أكثر من موضع من كتابه بأنه لا يمكن أن يتساوى البررة والفجرة في مصيرهم كما لم يتساوو في مسيرهم، فقد قال تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَارِ) [ص: (28)، وقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن تَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ سَوَاءَ تَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجائية: 21]، وقال سبحانه: {أَفَتَجْعَلُ المُسلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) [القلم: 35 - 36].
وكم في القرآن الكريم من تحذير بالغ للمؤمنين أن يتولوا من لم يكن مؤمنا راسخ الإيمان، ولو كان من آبائهم أو إخوانهم أو أبنائهم، كما في قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا