الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٣٥الباب الخامس: في شبهات الملاحدة
535
فالدين هو التركيب اللانهائي المفارق لحدود المعطى النهائي، وهو النقطة التي يتطلع إليها الإنسان ويحقق التجاوز من خلالها، وبغيابه يتحول العالم إلى مادة طبيعية صماء خاضعة لقوانين الحركة والصيرورة التي يمكن حصرها والتحكم فيها، ويتحول الإنسان إلى كم مادي يمكن أدلجته وقولبته في إطار مجموعة من المعادلات الرياضية الميتة وفي هذه اللحظة تموت الروح ويتبعها موت الإنسان، فالإيمان بالإنسان وقيمته ومركزيته وسموه هو إيمان يتجاوز حركة المادة وديناميكيتها، فعندما يقرر الإنسان أن ينسى الدين في هذه
اللحظة بالذات يكون قد نسي نفسه، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ [الحشر: 19]. كان هذا هو لب الحوار بينهما وإن كان قد استطرد بعد ذلك، ولكن الدكتورة ـ التي كانت متحمسة للادينية وإنكار المغيبات ـ هوت في النقاش إلى القيعان السفلى من الإسفاف، وحاولت أن تتلافى باعتذارها عندما أحاطت بها الحجة وقهرها الدليل ولكنها أحست أنها في ورطة فهربت من المناظرة. وقد سبق في الباب الأول من هذا الكتاب إثبات خطورة التخلي عن الدين، والبعد عن القيم على الإنسان جميعًا، فالفرد والأسرة والمجتمع والمنظومة البشرية جميعًا لا يمكن استقرارها النفسي والاجتماعي، ولا انتظام أمرها إلا بالصلة بالله تعالى التي هي إخلاص الدين، له والدينونة له بأنه هو الرب المدبر لكل شيء، وأنه له الطاعة المطلقة، وكذلك الدينونة له بالعبودية المطلقة قبل العباد، و استمداد حل كل مشكلة منه، وفيما تقدم ذكره ما يغني عن التكرار. ولا ريب أن مفتاح حل هذه المشكلات جميعًا، هو الإيمان برسالات الله تعالى الهادية إلى الحق المجيبة على كل تساؤل الحافزة إلى استقامة الظاهر والباطن الواصلة بين المسير والمصير وبين العمل والجزاء، وبين الدنيا
والآخرة.
(1) ينظر؛ د. هيثم طلعت مناظرة الملحدين، ص 203 - 219.
من