مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٣٩

الباب الخامس: في شبهات الملاحدة

3/ 3.

539

فحسب الإنسان هذه آية تبصره بهذه الحقيقة إن عزبت عنه أو التبست عليه، فضلا عما يفتح عليه عينه ويبصره من مشاهد هذا الوجود، الذي هو بأسره خرج من العدم المطلق وتدرج في أطوار الخلق حتى وصل إلى ما انتهى إليه، ولا يزال يتدرج، ويستجد فيه في كل لحظة من ما لا يحصى له عدد، ولا يأتي عليه الحصر.

المستجدات

وهذا ما تفيده الآيات المؤكدة للبعث جميعًا؛ وقد عرج الأستاذ الشهيد سيد قطب على هذه الحقائق داعمًا لها بما يؤكده منطق العقل، وتقتضيه سنة الحياة، ففي آيات الحج يقول: «إنّ البعث إعادة لحياة كانت، فهو في تقدير البشر أيسر من إنشاء الحياة. وإن لم يكن بالقياس إلى قدرة الله شيء أيسر ولا شيء أصعب فالبدء كالإعادة أثر لتوجه الإرادة: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ: إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82] ولكن القرآن يأخذ البشر بمقاييسهم، ومنطقهم، وإدراكهم فيوجه قلوبهم إلى تدبر المشهود المعهود لهم، وهو يقع لهم كل لحظة ويمر بهم في كل برهة؛ وهو من الخوارق لو تدبروه بالعين البصيرة، والقلب المفتوح، والحس المدرك. ولكنهم يمرون به أو يمر بهم دون وعي ولا انتباه.

فما هؤلاء الناس؟ ما هم؟ من أين جاءوا؟ وكيف كانوا؟ وفي أي الأطوار مروا فَإِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن تُرَابٍ} [الحج: 5)، والإنسان ابن هذه الأرض. ومن ترابها نشأ ومن ترابها تكون ومن ترابها عاش وما في جسمه من عنصر إلا له نظيره في عناصر أمة الأرض. اللهم إلا ذلك السر اللطيف الذي أودعه الله إياه ونفخه فيه من روحه؛ و به افترق عن عناصر ذلك التراب. ولكنه أصلا من

التراب عنصرًا وهيكلا وغذاء وكل عناصره المحسوسة من ذلك التراب. ولكن أين التراب وأين الإنسان؟ أين تلك الذرات الأولية الساذجة من ذلك الخلق السوي المركب الفاعل المستجيب المؤثر المتأثر، الذي يضع