الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٤١الباب الخامس: في شبهات الملاحدة
541
فمن يتصور أو يصدق أنّ ذلك كله كامن في تلك النقطة العالقة؟ وأن هذه النقطة الصغيرة الضئيلة هي هذا الإنسان المعقد المركب، الذي يختلف كل فرد من جنسه عن الآخر، فلا يتماثل اثنان في هذه الأرض في جميع
الأزمان؟!.
ومن
قطعة
العلقة إلى المضغة، وهي من دم غليظ لا تحمل سمة ولا
شكلًا. ثم تخلق فتتخذ شكلها بتحولها إلى هيكل عظمي يكسى باللحم؛ أو يلفظها الرحم قبل ذلك إن لم يكن مقدرا لها التمام
لِنُبَيِّنَ لَكُمْ * فهنا محطة بين المضغة والطفل، يقف السياق عندها بهذه الجملة المعترضة: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ لنبين لكم دلائل القدرة بمناسبة تبين الملامح في المضغة. وذلك على طريقة التناسق الفني في القرآن.
ثم يمضي السياق مع أطوار الجنين: {وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمَّى: فما شاء الله أن يتم تمامه أقره في الأرحام حتى يحين أجل ثم تُخرِجُكُمْ طِفلا» ويا للمسافة الهائلة بين الطور الأول والطور
الوضع،
الأخير!
إنها في الزمان تعادل في العادة تسعة أشهر. ولكنها أبعد من ذلك جدا في اختلاف طبيعة النطفة وطبيعة الطفل، النطفة التي لا ترى بالعين المجردة وهذا المخلوق البشري المعقد المركب ذو الأعضاء والجوارح، والسمات والملامح، والصفات والاستعدادات والميول والنزعات.
إلا أنها المسافة التي لا يعبرها الفكر الواعي إلا وقد وقف خاشعًا أمام آثار القدرة القادرة مرات ومرات ثم يمضي السياق مع أطوار ذلك الطفل بعد أن يرى النور ويفارق المكمن الذي تمت فيه تلك الخوارق الضخام، في خفية عن الأنظار.