الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٤٢542
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
مسافات
ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) فتستوفوا نموكم العضلي، ونموكم العقلي، ونموكم النفسي .. وكم بين الطفل الوليد والإنسان الشديد من في المميزات أبعد من مسافات الزمان ولكنها تتم بيد القدرة المبدعة التي أودعت الطفل الوليد كل خصائص الإنسان الرشيد وكل الاستعدادات الكامنة التي تتبدى فيه وتتكشف في أوانها، كما أودعت النقطة العالقة بالرحم كل خصائص الطفل، وهي ماء مهين.
وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا} [الحج: 5]، فأما من يتوفى فهو صائر إلى نهاية كل حي، وأما من يرد إلى أرذل العمر فهو صفحة مفتوحة للتدبر ما تزال، فبعد العلم، وبعد الرشد، وبعد الوعي، وبعد الاكتمال إذا هو يرتد طفلا، طفلا في عواطفه وانفعالاته، طفلا في وعيه ومعلوماته، طفلا في تقديره وتدبيره، طفلا أقل شيء يرضيه وأقل شيء يبكيه طفلا في حافظته فلا تمسك شيئًا، وفي ذاكرته فلا تستحضر شيئًا، طفلا في أخذه الأحداث والتجارب فرادى لا يربط بينها رابط ولا تؤدي في حسه ووعيه إلى نتيجة لأنه ينسى أولها قبل أن يأتي على آخرها: لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ولكي يفلت من ذلك ووعيه العلم الذي ربما تخايل به وتطاول وجادل في الله وصفاته بالباطل. ثم تستطرد الآية إلى عرض مشاهد الخلق والإحياء في الأرض والنبات، بعد عرض مشاهد الخلق والإحياء في الإنسان وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةُ فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوج بهيج} [الحج: 5]، والهمود درجة بين الحياة والموت وهكذا تكون الأرض قبل الماء، وهو العنصر الأصيل في الحياة والأحياء.
عقله
فإذا نزل عليها الماء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وهي حركة عجيبة سجلها القرآن قبل أن تسجلها الملاحظة العلمية بمئات الأعوام، فالتربة الجافة حين ينزل عليها