الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٤٣الباب الخامس: في شبهات الملاحدة
542
الماء تتحرك حركة اهتزاز وهي تتشرب الماء وتنتفخ فتربو ثم تتفتح بالحياة عن النبات مِن كُل زوج بهيج، وهل أبهج من الحياة وهي تتفتح بعد
الكمون، وتنتفض بعد الهمود؟
وهكذا يتحدث القرآن عن القرابة بين أبناء الحياة جميعا، فيسلكهم في آية واحدة من آياته وإنها للفتة عجيبة إلى هذه القرابة الوثيقة. وإنها لدليل على وحدة عنصر الحياة، وعلى وحدة الإرادة الدافعة لها هنا وهناك. في الأرض والنبات والحيوان والإنسان.
ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ السَّاعَةَ وَاتِيَةٌ لَّا ريْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ} [الحج: 6 - 7)، ذلك .. أي إنشاء الإنسان من التراب وتطور الجنين في مراحل تكونه، وتطور الطفل في مراحل حياته، وانبعاث الحياة من الأرض بعد الهمود ذلك متعلق بأنّ الله هو الخالق، فهو من السنن المطردة التي تنشأ من أنّ خالقها هو الحق الذي لا تختل سننه ولا تتخلف، وأنّ اتجاه الحياة هذا الاتجاه في هذه الأطوار ليدل على الإرادة التي تدفعها وتنسق خطاها وترتب مراحلها فهناك ارتباط وثيق بين أنّ الله هو الحق، وبين هذا الاطراد والثبات والاتجاه الذي لا يحيد. {وَأَنَّهُ يُحي الْمَوْتَى) فإحياء الموتى هو إعادة للحياة والذي أنشأ الحياة الأولى هو الذي ينشئها للمرة الآخرة * وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ) ليلاقوا ما يستحقونه من جزاء، فهذا البعث تقتضيه حكمه الخلق والتدبير.
وإنّ هذه الأطوار التي يمر بها الجنين يمر بها الطفل بعد أن يرى النور لتشير إلى أنّ الإرادة المدبرة لهذه الأطوار ستدفع بالإنسان إلى حيث يبلغ کماله الممكن في دار الكمال. إذ إنّ الإنسان لا يبلغ كماله في حياة الأرض، فهو يقف ثم يتراجع لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا} [الحج: 5)، فلا بد من دار أخرى يتم فيها تمام الإنسان.