الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٤٦546
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
كله بأبعاده المترامية وحدة واحدة لا يعجزه أن ينشره مرة أخرى بعدما يطويه كطي السجل للكتب، تحقيقا لوعده أنه كما بدأ أول خلق يعيده، إذ ليس هنالك في مقاييس العلم والعقل ما يمنع من ذلك بحال، فإنّ الشواهد كلها تؤكد قدرة الله تعالى المطلقة ونفاذ أمره متى أراد شيئًا.
وكان الأستاذ موفقا في إبراز هذه الحقائق ولكن مع إعجابنا الشديد بهذا التصوير البليغ لها، وهذه الترجمة الدقيقة لتفاصيلها؛ نتمنى لو كان الأستاذ كان أكثر دقة، وأوسع احتياطا عندما يتحدث عن الله الا الله و عن صفاته العظيمة، فكم كنا نتمنى أن يتفادى إضافة الطبيعة إلى الذات الإلهية أو صفاتها المقدسة، كما في قوله فيما مضى: «ثم يزيدهم إيضاحًا لطبيعة القدرة الخالقة»، فإنّ القدرة الإلهية كذاته سبحانه هي أجل من أن يشتمل عليها وصف الطبيعة، فإن الطبيعة هي الجبلة وهي فعيلة بمعنى مفعولة، فعندما يوصف أي شيء بـ (الطبيعة) فإنّ ذلك لا يكون إلا بمعنى خلقه، إذ المطبوع لا بد له من طابع، والله سبحانه هو الذي طبع الكائنات بحسب ما أراد أن تكون عليه ولا يمكن أن يكون هو مثلها، فإنه لو كان في ذاته أو صفاته في مطبوعًا على شيء فإما أن يكون طبع نفسه بنفسه على أمر لم يكن متصفا به من قبل، وذلك عين المحال، إذ صفاته تعالى لا تتبدل وكمالاته لا تتحول، وإما أن يكون طبع من قبل غيره، وذلك أشد استحالة، إذ لم يكن لغيره تعالى سلطان ولا أثر عليه وإلا لكان ذلك الغير هو أحق بالألوهية والربوبية منه لنفاذ إرادته فيه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا.
والألفاظ قبل إطلاقها على الله يجب النظر فيها وفي دلالتها اللغوية، وقد دلت اللغة العربية، على أنّ الطبيعة بمعنى الخليقة والسجية والجبلة، ففي اللسان ما نصه: «والطبيعة الخليقة والسجية التي جبل عليها الإنسان».
(1) ابن منظور: لسان العرب مادة (طبع)، 86/ 9.