الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٥٢552
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
وقد وضح للناس ما لانحسار الدين وفقدان الإيمان من أثر خطير على حياتهم؛ إذ كيف أدى ذلك إلى فقدان التوازن واضطراب الأحوال، وفساد الأخلاق، وانقلاب الموازين واشتعال الفتن وشيوع الخوف، وموت الضمير وانقطاع العلاقات بين الناس، وتأجج الأحقاد والعداوات بينهم، وعدم التفاتهم إلى قيمة للإنسانية، أو إقامة أي اعتبار للعدل والإنصاف بين الناس، وهذا يعني ضرورة أن يعود سلطان الدين إلى الناس، وأن يكون هو معتصمهم في الشدائد وملاذهم من الشقاق والخلاف بينهم، ومرجعهم في حل مشكلاتهم الفلسفية والأدبية والأخلاقية والتشريعية.
بوحي
وتأكد بالأدلة القاطعة أنه لا سبيل إلى الاطلاع على الغيب المغيب إلا الله تعالى وأنّ الوحي هو مصدر الإيمان والقائد إلى الرشد وإلى مكارم الأخلاق، وأنه في حال الاستهداء به فيما يتعلق بالحقائق الغيبية لا بد من الجمع بينه وبين مدارك العقل السليم من أجل الاستبصار في فهم غوامض الوحي، فكل منهما مكمل للآخر، وهذا يعني أن الحياة لا يستقيم أودها، ولا يقوم معوجها، إلا بالجمع بين هداية الشرع المسموع ودلالة العقل المطبوع، إذ لا يمكن أن يستغنى عن أحدهما ويكتفى بالآخر.
وبناء على ذلك فإنّه يتعذر التوصل إلى الإيمان الصحيح إن أهمل أحدهما فحقائق الغيوب خاطب الله بها العقول السليمة، وبيّن أن ما أنزله إنما هو هدى لأولي الألباب، ولا يمكن التوصل إلى تقديس الله تعالى وتنزيهه وأن يقدر حق قدره إلا ببينة من الشرع والعقل معا، ومهما يكن من سلطان العقل فإنه يجب أن يؤطر في إطاره المحدود، فلا يتجاوز حدوده في استلهام حقائق الغيوب، وقد جاء الشرع مكملا له ومرشدًا.
وقد تبين مما سبق شرحه أنّ الإيمان بالله واليوم الآخر هو صمام الأمان، وأصل الإيمان به تتهذب الأخلاق وتزكو الطباع، وتسمو النفس، وتتقدس