الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٥٣خاتمة الكتاب
553
السرائر، وتزدان الظواهر، لأنه الإيمان بالمبدأ والمعاد، ومع كون العقل هاديًا إلى الإيمان بالله فإنّ الشرع جاء لترسيخ ما دل عليه العقل وتنقيته مما عسى أن يلابسه من وساوس النفس، ونزغات الشيطان، وكلاهما شاهد ودليل على أنه تعالى ليس كمثله شيء وهو الغني عن كل شيء، وكل ما سواه مفتقر إليه، وأنه ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل، وأنه
وحده الذي خلق فسوى وقدر فهدى، وبيده الأمر في الآخرة والأولى.
ومع كون الإيمان باليوم الآخر أثرًا من آثار الشرع المسموع، فإنّ العقل المطبوع داعم ومعزز لما جاء به الشرع في ذلك، ولذلك احتج الله تعالى على منكري ذلك اليوم بما تبصر به العقول السليمة، وتدل عليه من الحق في ذلك. وقد جاء الشرع الحنيف مبصرًا بما يدل عليه العقل السليم؛ من كونه تعالى لم يفتقر في خلقه الخلق - وإخراج الكون من العدم إلى الوجود ـ إلى محاولة ومزاولة أو إلى أسباب ووسائل فإنّ الأسباب والمسببات هي منه تعالى وحده، وقد خلق الإنسان ليكرمه ويجعله خليفة في الأرض، وقطبًا تدور عليه رحى الوجود، فلذلك سخر له ما في السماوات وما في الأرض، وناط به من التكاليف ما لم ينط بأي كائن آخر، وشرفه بأن جعل من جنسه رسله في الأرض، الذين اختارهم الله تعالى لأن يكونوا أوعية لنوره، ومعالم لهداه، وأن يكونوا قدوة لعباده في الخير.
،
وعليه؛ فالإنسان بهذا جنس مكرم من بين أجناس الخلق، وهو وإن كان الكائنات الحية الأخرى الموجودة على الأرض في كونه خلق مثلها يتفق مع من التراب؛ إلا أنه خلقه متميز على خلقها في المظهر والمخبر، ومستقل عن خلقها، كما دلت على ذلك نصوص الوحي، وأكدته حقائق العلم، وما القول إنه نتيجة لتطورها إلا وهم تدفعه نصوص الوحي، وتفضحه حقائق العلم، كما سبق ذلك كله مشروحًا.