الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٥٤554
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
وقد قامت الشواهد العلمية من أقل ما خلق الله تعالى في الإنسان أو الكائنات الحية الأخرى أو أصناف الوجود في هذا الكون على ثبوت وجود الله
تعالى، واتصافه سبحانه بجميع الكمالات، وتنزهه عن جميع النقائص وانفراده بالخلق والأمر، إذ ما من خلية في جسم الإنسان أو في أجسام الكائنات الأخرى أو ذرة في هذا الوجود إلا وهي مكتبة حافلة بآيات الله تعالى البينات التي تترجمها كلماته المرقومة فيها، بما تعجز جميع لغات البشر، وجميع وسائلهم عن ترجمتهما وتفسيرهما - ولو تظاهروا على ذلك منذ بداية وجودهم على الأرض وإلى أن يطوى هذا الوجود مع امتداد الحياة أضعافا مضاعفة عما قدر لها، وتضاعف جميع الوسائل إلى حد يخرج عن جميع مدارك العقول - فإنها لا يمكن أن تصل إلى شيء من شرح هذه المعلومات العظيمة، كيفما كانت الوسائل التي تتاح لهم، {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ
أَقلَمُ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَكْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهِ} [لقمان: 27].
وقد قامت من هذا أدلة الحق الدالة على الله القاطعة للسان كل جاحد عنيد، سواء من خلق البشر أو خلق الكائنات الحية الأخرى، مما يعوم في البحار أو يطير في الفضاء، أو يدب على الأرض، وكذلك من جميع المنظومة الكونية، بكل ما اشتملت عليه من صنوف آيات الله العظيمة.
وقد بطلت بهذا دعاوى المبطلين؛ أنّ الطفرات الطبيعية الميتة الصماء البكماء هي التي أخرجت هذا الكون من العدم إلى الوجود، وأنه تحقق ذلك بما يزعمونه من الصدفة الباطلة.
ومع انفراد الله تعالى بخلق هذا الوجود هو منفرد بتدبيره وتصريفه لا دخل لأحد فيه، ولم يكن هذا التصريف بتأثير هذه الطفرات المزعومة، وإنما كان كل شيء منه عن علم وقدر، إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ