الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٦٥خاتمة الكتاب
070
بعد العيلة وارتقت بعد الانحطاط، فإن استهانت به فقدت كل شيء، وارتكست إلى أسفل حضيض.
وهل ارتقى السلف الصالح - حتى تبوأ مكان القيادة بين الأمم وكان له فضل الريادة في العلوم، فانقادت له الأمم، وأسلست له القوى الكبرى قيادها، فأصبحت تأتمر بأمره، وتترسم خطواته، وتأوي إلى ظله، وتستجدي من رفده - إلا بتمسكه، بالدين واعتزازه بالله وإيثار مرضاته على كل شيء، وبهذا انتشر صيتهم في الآفاق، وامتلأت بالإعجاب بهم القلوب، وأكْبَرَهم قواد العالم، وكانت هيبتهم تزلزل أركان الظلمة المستبدين، وتثل عروشهم، وتدك معاقلهم. ناهيك بهذه القصة التي ذكرها ابن كثير: أنّ هرقل سأل رجلا ممن اتبعه كان قد أسر مع المسلمين فقال: أخبرني عن هؤلاء القوم، فقال: أخبرك كأنك تنظر إليهم، هم فرسان بالنهار رهبان بالليل لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن ولا يدخلون إلا بسلام يقضون على من حاربوه حتى يأتوا عليه، فقال: لئن كنت صدقتني ليملكن موضع قدمي هاتين».
وروى ابن عساكر بإسناده إلى من سمع يحيى بن يحيى الغساني يحدث عن رجلين من قومه من غسان قال لما كان المسلمون بناحية الأردن تحدثنا بيننا أن دمشق ستحاصر، فقال أحدنا لصاحبه: هل لك أن تدخل المدينة فتتسوق من سوقها قبل حصارها؟ فبينا نحن نتسوق إذ أتانا رسول بطريقها اصطر اخيه فذهب بنا إليه، فقال: أنتما من العرب؟ قلنا: نعم، قال: وعلى النصرانية قلنا نعم قال: ليذهب أحدكما إلى هؤلاء فليتجسس لنا من خبرهم ورأيهم وليتثبت الآخر على متاع صاحبه، ففعل ذلك أحدنا فلبث لبنا ثم جاءه، فقال: جئتك من عند رجال دقاق، يركبون خيولا مشاق، أما الليل فرهبان، وأما النهار ففرسان يريشون النبل، ويبرونها، ويثقفون القنا، لو حدثت
(1) ابن كثير: البداية والنهاية 505/ 4