الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢٩الباب الأول: في تعزيز الإيمان بالغيب وبيان ضرورته في حياة الناس
129
المبحث الثالث
في طبيعة الإنسان التي لا تهدأ إلا بسكينة الإيمان
بما أن الإنسان كائن اجتماعي يشترك مع بني جنسه ـ في الأخذ والرد والعطاء والمنع - قد تطغى عليه الآثار السلبية للنزعات الاستبدادية، التي تهيجها في نفسه قوى الشر الثائر بتأثير الشهوات والرغبات، أو بتأجيج النزعات والنزغات، حتى ينسى عهد الله أو يكاد، فلا يبالي بحقوق الله أو حقوق عباده إلا أنه مع إيمانه الحق باليوم الآخر - بجانب إيمانه بالله ـ يدكر فينثني من غيّه إلى رشده، ومن عماه إلى بصيرته؛ فيكبح نوازع الشر ودوافع السوء المحركة له إلى الشر والإجرام، ويعود إلى الفطرة السوية التي فطره الله عليها حياء من الله وخشية من سوء المصير عندما ينقلب إليه.
،
وهذا لأن الإيمان باليوم الآخر هو الإيمان بالمنقلب إلى الله ومجازاة النفس على ما قدمت وأخرت، وجنيها ثمار غرسها في الدنيا خيرًا كان أو شرًا، كما قال تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُم مِّن فَزَع يَوْمَدٍ عَامِنُونَ * وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: 89 - 90] وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيَكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَبِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ. وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَبِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 123 - 124]، فهو بالطبع باعث على الإشفاق والوجل من سوء المصير فيتعزز بذلك