الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٣٠130
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
ما يثمره إيمانه بالله من مراعاته لحق الله واستحيائه أن يعصيه، وهو الذي أوجده من العدم، وأغدق عليه فيوض،کرمه وسيوب نعمه، إذ يتوجس بهذا الإيمان خيفة منه تعالى أن يجد منه الجزاء الأوفى على ما يقدم عليه من سوء، وما يأتيه من شر مع يقينه بأنه محاسب ومجزي بكل ما يعمل، وأن المحاسب محيط بكل شيء، وخبير بكل أمر، وبصير بكل إقدام أو إحجام منه وعليم بكل ما توسوس به النفس أو يجيش به الخاطر، وبجانب ذلك هناك رقباء لا يلهون ولا يغفلون يسجلون كل خفي وجلي من حركاته أو سكناته، أو وساوس نفسه وخواطر ضميره ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ فَعِيدُ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 16 - 18].
فلا يلبث - عندما يوحي إليه إيمانه بالله واليوم الآخر بهذه الحقائق، ويذكره بما كان عنه منها في غفلة - أن يتراجع ويسرع خطاه إلى ربه تائبا منيبًا، وتتجدد في نفسه عزائم الخير القاهرة لنوازع السوء الماحية لبواعث الشر، حتى يظل في أحواله أواها أوابًا يروق له الخير وإن شق عليه، ويشفق من الشر وإن زينه له شيطانه.
أما الذي حرم نعمة هذا الإيمان، فإنّه محروم من هذا الخير كله، فهو أسير هوى نفسه الأمارة بالسوء، ينقاد للشيطان الذي يأمره بالفحشاء والمنكر، ويغريه بانتهاك حرمات الله تعالى وعدم المبالاة بحقوق عباده، ولو كانوا أقرب قرابته، وأكثر الناس نصحا له وبرا، به ولأجل هذا كان الإيمان بالله واليوم الآخر هما مناط الاستقامة على سواء الصراط، وبنورهما يستضاء ويستبصر في مسالك الحياة، فتؤدى بسببهما الحقوق وتلتزم لأجلهما الواجبات، وهذا واضح جلي لكل من استبصر بضياء القرآن ونور السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.