الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٣٤134
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
أَسْمَازَتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر: 45].
وما كان الاقتصار على ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر في مقام الحث أو التحذير - مع أنّ كل عنصر من عناصر الإيمان له أبلغ الأثر وأعمق التأثير في تهذيب النفوس والارتقاء بها - إلا لأجل ما للإيمان بالله واليوم الآخر من ميزة وقدر وعمق في تطهير النفس من أكدارها، والارتقاء بها من حضيضها، فكأن من آمن بالله واليوم الآخر استجمع خصائص الإيمان، وانطوى على جميع جزئياته وكلياته.
وقد تبين بهذا أنهما يتتاممان فلذلك يخلفان هذا الأثر في النفس والحياة عندما يجتمعان وبفقدهما أو فقد أحدهما تُظلم النفس وتنحرف الحياة، حتى يغدو الإنسان سبعًا فتاكا يطأ على جميع القيم وينبذ كل الفضائل في سبيل إرواء غليله وإشباع سعاره من الشهوات الدنيئة، أو في سبيل إرضاء نزعاته حقيقات پوري علوم ساري في التشفي والانتقام.
وهو مما لا يخفى على من درس أحوال الأمم وتحولها من النقيض إلى النقيض في فترتي إيمانها، وجحودها، فكم تحولت أمم من الناس عما كانت عليه، فبعد أن كانت في جاهليتها أضرى من السباع الفتاكة، وأضر من الزواحف السامة، وأرجس من الشياطين الموسوسة، وأوحش من الليالي المدلهمة، تحولت بإيمانها بالله واليوم الآخر إلى أن صارت أبر بالناس، وأنفعهم لهم وأطهر قلوبًا من كل ما يتصور كأنهم من ملائكة الرحمة، وغدوا ألطف من نسيم السحر، وآنس من إشراق رابعة النهار، فهؤلاء العرب كم كان ضررهم في جاهليتهم على أنفسهم وعلى إخوانهم وعلى أهليهم وعلى أولادهم وآبائهم وأمهاتهم لا يعرفون رقة في الطبع، ولا لطفا في المعاملة،