الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٣٩الباب الأول: في تعزيز الإيمان بالغيب وبيان ضرورته في حياة الناس
139
ونستطيع أن نميز ثلاث هبات مهمة أوتيها محمد []. وكانت كل واحدة منها ضرورية لإتمام عمل محمد [] بأكمله. لقد أوتي أولا موهبة خاصة على رؤية المستقبل. فكان للعالم العربي بفضله، أو بفضل الوحي الذي ينزل عليه حسب رأي المسلمين أساس فكري (إيديولوجي) حلت به الصعوبات الاجتماعية وكان تكوين هذا الأساس الفكري يتطلب في الوقت نفسه حدسًا ينظر في الأسباب الأساسية للاضطراب الاجتماعي في ذلك العصر، والعبقرية الضرورية للتعبير عن هذا الحدس في صورة تستطيع إثارة العرب حتى أعمق كيانها.
وكان محمد [] ثانيا رجل دولة حكيما. ولم يكن هدف البناء الأساسي الذي نجده في القرآن سوى دعم التدابير السياسية الملموسة والمؤسسات الواقعية. ولقد ألححنا خلال هذا الكتاب غالبًا على استراتيجية محمد [] السياسية البعيدة النظر على إصلاحاته الاجتماعية ولقد دلّ على بعد نظره في هذه المسائل الانتشار السريع الذي جعل من دولته الصغيرة إمبراطورية، وتطبيق المؤسسات الاجتماعية على الظروف المجاورة واستمرارها خلال أكثر من ثلاثة عشر قرنًا.
وكان محمد [] ثالثًا رجل إدارة بارعا فكان ذا بصيرة رائعة في اختيار الرجال الذين يندبهم للمسائل الإدارية. إذ لن يكون للمؤسسات المتينة والسياسة الحكيمة أثر إذا كان التطبيق خاطئًا مترددا، وكانت الدولة التي أسسها محمد [] عند وفاته مؤسسة مزدهرة تستطيع الصمود في وجه الصدمة التي أحدثها غياب مؤسسها، ثم إذا بها بعد فترة تتلاءم مع الوضع الجديد وتتسع بسرعة خارقة اتساعا رائعا).
(1) مونتكمري وات محمد في مكة ص 510 - 511 تعريب شعبان برکات، المكتبة العصرية -
صيدا / بيروت.