الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٤١الباب الأول: في تعزيز الإيمان بالغيب وبيان ضرورته في حياة الناس
141
الكتاب الذي يعتبر كلّ كلمة منه مصدر التشريع قومية ربانية، ألفت بين أفراد كل جيل، وسلالة، ولغة.
إنّ الميزة الخالدة لهذه الأمة، التي كوّنها لنا محمد صلى الله عليه وسلم أنها شديدة المقت والتقزز من الآلهة الباطلة، شديدة الحبّ الله الواحد الذي يتنزّه عن المادة وشوائبها، وهذا هو الحبّ الذي يدفعه إلى الثأر والانتصاف من كلّ إهانة توجّه إلى الذات الإلهيّة، وهذا الحبّ يعتبر أساس سائر الفضائل عند هذه الأمة.
لقد كان إخضاع ثلث العالم لهذه العقيدة الجديدة من مأثرته بلا ريب، لكنّ الأصح أنه كان معجزة العقل لا معجزة فرد واحد، إن الإعلان بعقيدة التوحيد في زمن كانت تئنّ فيه الدنيا تحت وطأة أصنام لا حصر لها، كان معجزة مستقلة بذاتها.
وما لبث محمد صلى الله عليه وسلم أن أعلن هذه العقيدة أمام الملأ، حتى أقفرت المعابد القديمة من عبادها فلا داعي فيها ولا مجيب وتكهرب ثلث العالم بحرارة الإيمان).
ولا يمكن الاستغناء عن هذا الإيمان بأي مؤثر آخر من أنواع الفلسفات، أو العلوم أو الحضارات، فها أنتم أولاء تبصرون عالم اليوم وما يزخر به من أنواع العلوم والفلسفة وما يلتطم بين جنباته من حضارة مادية أتت من الثمار ما لم يعرف في التاريخ البشري كله ولكن مع ذلك انقلبت هذه الحضارة بكل ما تزخر به من علوم وفلسفة، وما تفرزه من إنجازات بلغت الغاية في
(1) الندوي؛ أبو الحسن علي الحسني: السيرة النبوية، ص 83 - 85، دار الشروق ـ جدة، ط: 1407 هـ / 1986 م، نقلا عن: (لامارتين Lamartine في كتابه) Histoire de la Turquie
276/2 - 277