الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٤٨148
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
المبحث الثاني
في طبيعة الإنسان التي تضطره إلى التدين
المتأمل في حياة الإنسان وحياة غيره من الكائنات الحية التي تشاركه الوجود على ظهر هذا الكوكب المظلم، يجد فارقًا كبيرًا بين الإنسان وغيره، فمع كون الإنسان لا يفوق جميع هذه الكائنات قوة في بنيته البدنية، ولا امتدادًا في عمره، ولا سعة في حجمه، ولا ثقلا في وزنه، ولا جرأة في إقدامه، إلا أنه يفوقها بقوة تدبيره، وسعة تفكيره، وتنوع ملكاته، حتى أنه قوي على تسخير هذه الحيوانات جميعًا لمصلحته حتى ما كان منها أعظم بنية وأوسع قوة وأشد جرأة وأخطر بطشًا، فقد استطاع أن يسخر لمصلحته الأسود الضارية التي هي أجرأ منه على الفتك والبطش والفيلة المخيفة؛ التي هي تفوقه بمسافات في عظم أحجامها وقوة أبدانها وقل مثل ذلك في هوام البحر الضخمة كالقرش والحيتان وكذلك الزواحف السامة المهيبة كالثعابين الضخمة وسائر هوام البر، فإنّ يد الإنسان مطلقة في تسخيرها لمصالحه، والانتفاع بها في حياته.
وقد جاء الإنسان بهذه الحيوانات على اختلافها من أبعاد براريها وأعماق بحارها، وأغوار جحورها، وكذلك من سعة أجوائها بالنسبة إلى الطيور، فقيد حركاتها في حظائر وأقفاص، ولم تستطع هي - مع ما أوتيت من القوى ـ أن تخرج الناس من مدنهم وقراهم وتسيطر عليهم في أدغالها وبراريها أو في شطوطها وبحارها، وإنما ظل الإنسان حرا طليقا.