الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٤٩الباب الأول: في تعزيز الإيمان بالغيب وبيان ضرورته في حياة الناس
149
ومع هذا فإنّ يد الإنسان مطلقة تمتد إلى أي منفعة من منافع هذه الأرض وما في أعماقها وما فوق ظهرها، وما يحيط بها من الغلاف الهوائي لينتفع بكل شيء من ذلك، لأن الأرض كلها وكل ما اشتملت عليه إنما هي مخلوقة له، وهُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) (البقرة: 29)، وبجانب ذلك سخرت له منافع الكون بأسره، فما من شيء من مخلوقات الله تعالى في هذه الآفاق الواسعة إلا وللإنسان منفعة فيه، ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: 13].
وهذا يرجع إلى ملكاته العقلية وسعة أفقه الفكري، فبهذا كان الكون بأسره مسرحًا لاعتباره ومتحفا لنظره، وتأمله ومجالا لدراسته وتجربته، وقد جعل الله تعالى في طبيعته القدرة على التطور، ففي كل عصر يأتي بجديد من الوسائل التي تمكنه من الانتفاع بما خلق الله تعالى، وهذا ما لا يحتاج إلى دليل عليه، فقد تدرج الإنسان في وسائل النقل فأصبح يطوي المسافات ـ التي كان يقطعها في شهور وأعوام - في ساعات أو دقائق، وبعد أن كان تواصله مع بني جنسه يستغرق زمنا ليس بالقصير - عندما تكون المسافات بينه وبينهم متباعدة، لأنه يتوقف على نقله بأيدي البشر المسافرين بتلك الوسائل البدائية - أصبح التواصل الآن ميسرًا بتسخير الأثير الذي ينقل الصورة والصوت في نفس اللحظة.
ولم يكن في شيء من ذلك نصيب للكائنات الحية الأخرى، ولو تفوقت على الإنسان في خصائصها التي تتميز بها، لأنها لم تمنح العقل الذي منحه، ولم تكن لها المزايا التي أوتيها، وهل يمكن أن يكون قد أوتي ما أوتي من هذه المزايا والخصائص لتكون حياته كحياتها ينشره الميلاد ويطويه الفناء، كلا؛ وإنما أوتي هذه الخصائص وأفيضت عليه هذه المواهب لأن الله اختاره من بين مخلوقاته ليكون خليفة في الأرض وسيدا في الكون، بل اختاره لأن