الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٥٠10.
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
يكون القطب الذي تدور عليه رحى الكون، ومعنى ذلك أن صلته بالله تعالى صلة متميزة، فقد استخلفه في الأرض ليقوم بعمارتها بأمر الله تعالى ولينظم
حياته وحياة بني جنسه فيها بما يتواءم مع سنن الفطرة وطبيعة الحياة. والمستخلف - بلا ريب - إنما ينفذ أمر من استخلفه، فهو مطالب أن ينفذ في حياته هذه أمر الله الذي استخلفه، ولم يكن الله ليدعه مع هذا لأهوائه المتقلبة ومزاجه المضطرب، وإنما لا بد له من دين يكون له حبلا يصله بالله، ويصله بنظام هذا الكون بأسره، فيكون هو الذي ينظم علاقته بربه سبحانه، ويصله بمحيطه الأسري والاجتماعي والقومي والجنسي وبالمنظومة الكونية بأسرها، ومما يؤكد ضرورته إلى هذا أن كل فرد من أفراد جنسه لا بد من أن يكون موصولا بغيره والمصالح بينهم مشتركة، والمنافع متداخلة، وهذا مما يوجد بينهم التجاذب والتدافع فإن لم يكن لهم دين يرجعون إليه ويُحَكِّمُونه في علاقاتهم هذه أدى ذلك إلى فتنة في الأرض وفساد كبير، حيث تصبح الحياة سعيرا لا يطاق.
حتى
من شدّ
وبهذا كان الشعور بالحاجة إلى الدين يتصاعد من كل نفس، ويجلجل صوته في كل سمع فوجد الناس أنفسهم مدفوعين إلى التدين إلا منهم، ومعنى ذلك أن رفض التدين شذوذ وانحراف عن الفطرة، وقد أدرك الملاحدة الضرورة إلى الدين من أجل انضباط أحوال الناس - لا سيما الدهماء منهم - فيما يتعلق بعلاقاتهم واستقامة تصرفاتهم، كما نجد ذلك في تصرف روبرت داروين والد تشارلز داروين الذي اشتهر بنظرية النشوء والارتقاء - فإنه مع كونه ملحدّا، وقد ورث الإلحاد من والده إرازموس داروين صاحب کتاب زونوميا، حرص على أن يدخل ابنه المذكور في مدرسة لاهوتية ليصبح قشا، كما أنه ساند الكنيسة الأنجليكانية لأنه رأى فيها ضابطًا للعامة، فبدون دين سيصبحون، همجيين كما حدث في الثورة