الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٥٥الباب الأول: في تعزيز الإيمان بالغيب وبيان ضرورته في حياة الناس
أمده
/.
155
في هذه الحياة والمصير غيب لا نافذة يمكن أن يطل منها عليه إلا
ما جاء به الأنبياء من عند الله، الذي يعلم السر في السماوات والأرض، وله الآخرة والأولى، وفي هذا يقول: «إن أبحاث الإنسان كلها في هذه الحياة تدور حول نفسه، وأهم ما يتصل بنفسه علمه بما يجب أن يكون عليه في هذه الدار وما يصير إليه بعدها، فإذا أهمل الإنسان ذلك البحث الخطير وجب أن يجرد من شرف الإنسانية الرفيع، لأن عقله وهو مناط ذلك الشرف قد شَلَّ في أهم جوانب الحياة وأشدها خطرًا ومساسًا بالسعادة وليس كل إنسان مكلفا بهذا البحث الهام من طريق الاستدلال».
ولما كان السواد الأعظم من الناس ليسوا أولي قدرة على النظر في هذه الدقائق والتمييز بين حقها وباطلها، وصحيحها وسقيمها، لأنهم في غالب أمرهم تبع لمن يأتمون به ويقتنعون ه من ساسة الدين أو قادة الفكر أو
السياسة، كانت المسئولية العظمى في هذا تنوء بها كواهل قادتهم الذين إن انحرفوا انحرف جماهير من الناس لا تحصى وإن اهتدوا اهتدت هذه معهم الجماهير بهداهم، وفي مثل أولئك قال الله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلْنَ أَنْفَاهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْتَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: 13]، ولذلك كتب النبي صلى الله عليه وسلم لهرقل عظيم الروم: «فإن توليت فعليك إثم الأريسيين»، ومثل ذلك ما كتبه لكسرى بن هرمز: وإن أبيت فإن إثم المجوس عليك» (2)، وقد بين المحاضر هذا في قوله: «وإنما المكلف به والمسئول عنه من هذا الطريق هم قادة الأفكار وزعماء الأمم، فحياة الجماهير دائما تابعة لحياة القادة، إذا
(1) رواه البخاري صحيح البخاري، كتاب (56) الجهاد، باب (99) هل يرشد المسلم أهل الكتاب أو يعلمهم الكتاب، رقم: 2936، ص (236)، ومسلم؛ صحيح مسلم، کتاب (32) الجهاد والسير، باب (26) كتاب النبي إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، (رقم: 1773 [4608]
ص 993).
(2) الطبري: تاريخ الأمم والملوك، 133/ 2.