مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٥٨

158

مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان

وقد كان في خطابه هذا يخاطب العقول المتنوعة التي تنتسب إلى ديانات شتى، فلذلك أرخى العنان ووسع المجال في بحثه هذا مستلهما هذه السعة في النقاش والبحث، مما يوحي به قوله تعالى: ﴿وَلَا تُحَدِلُوا أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 46]، ومن حيث إن أمم الشرق - وإن طرأ عليه ما طرأ من اضطراب التفكير واختلال المعايير - هم أقرب إلى منابع الدين وأقوى على تصور حقائقه وإدراك مضامينه، وهم أسلم من الغرق في خضم المادية من الغربيين، كان تركيزه عليهم لعلهم باجتماعهم وتعاونهم على النظر والبحث يصلون إلى فهم

الدين الحق الذي يجمع ولا يشتت، ويؤلف ولا ينفر.

ثم بين ما عسى أن يكون من رأي معاكس في هذا من قبل الذين تأثروا بالغرب وانبهروا بمعطياته الحضارية المعاصرة، فقال في ذلك: «ورب قائل يقول: إنّ الغربيين في نشاطهم المادي لا يهملون مسائل الحياة الروحية، ولا يفرطون في البحث عن الكمال الأدبي بجانب الكمال المادي، بل عنايتهم بالروحيات والحياة الخلقية أقوى من عناية الشرق بها، وإذن يكون جو الغرب أصلح وأهله أقدر على البحث والتمحيص.

فالجواب: أنّ هذه الأبحاث وإن تناولتها عقولهم وفاضت بها مؤلفاتهم؛ فليس الباعث عليها الغرض الأسمى الذي جاءت به الأديان من تحصيل السعادة الأبدية، وإنما الباعث عليها أغراض تدور حول المادة وتنتهي إليها في فلسفتهم وتصوفهم وتدينهم الخاشع وكل ما يطلبون من حياة فاضلة، وكمال خلقي، فإنّما يحصلون به لذة نفسية أو شهوة عقلية حتى ما يسمونه خدمة الإنسانية بحسب تقديرهم لأن الأديان لا تعرف إلا العبادة الخالصة لله ولا تتجه للحياة المادية في جواهرها وأغراضها إلا كوسيلة للسعادة الأبدية