الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٦٧الباب الأول: في تعزيز الإيمان بالغيب وبيان ضرورته في حياة الناس
ومعنى
167
ذلك أن موازين الإلحاد لا يوجد فيها فرق بين الحق والباطل، والصلاح والفساد والنفع والضر، والإنصاف والظلم، فلا يرجح حق على باطل، ولا صلاح على فساد ولا نفع على ضر ولا إنصاف على ظلم، وإنما كل أحد حر حر في تصرفه بحسب ما يتسنى له، ومن كان أنفع الناس للناس لا يعدو قدره قدر من كان أضرهم كان أضرهم للناس.
وقد اعترف روز نبرج أنه يلزم من العدمية ثلاثة أمور:
«أولها: العجز عن إدانة (هتلر) أو (ستالين) أو (ماو) أو (بول بوت) أو أي مجرم من مجرمي التاريخ الحديث؛ لافتقاد أرضية أخلاقية، لأنه ليس
كائنا أخلاقيا.
ثانيها: أن لا يثق الناس في العدمي، لأنه ليس كائنا أخلاقيا.
ثالثها العدمية مدمرة للمجتمع، والقول بالعدمية سيرد الإنسان إلى الطابع الأناني والوحشي كما صورهم الفيلسوف (هوبز) في الإنسان العاري من مجملات الحضارة ومن المؤكد أننا نحب أن لا نكون عدميين إذا استطعنا تفادي ذلك، كما لا نحب لغيرنا أن يكون عدميا».
هذا؛ وقد علمت مما تقدم أن الأخلاق هي سجايا نفسية حميدة تفرزها فطرة سليمة في نفس الإنسان يميل إليها الطبع ويتقبلها العقل وما كان بخلافها، فهو مرفوض لدى العقول، ولهذا فإنّ سيء الأخلاق يظل منبوذا مقليا حتى من أخص خاصته وأقرب قرابته، وإنما تتغلب عوامل على هذه السجايا في النفوس فتنحرف بها حتى تحمد المذموم، وتذم المحمود، وتألف المنكر، وتتنكر للمعروف، وقد نشأ عن ذلك ما نشأ عند الذين تخلوا عن الدين مما كان منهم من استساغة الجرائم وجنوحهم إلى
(1) المرجع السابق، ص 234.