الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٢٦226
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
والروم، وقد كان ذلك في العام الخامس من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو العام السادس عشر من القرن السابع الميلادي وكانت إمبراطورية فارس قد اجتاحت ممالك إمبراطورية الروم في ذلك العام فما بقي لهرقل عاهل الروم إلا مدينة القسطنطينية الحصينة، التي عجز الجيش الفارسي عن اقتحامها، ولكن ما مضى على ذلك إلا بضع سنين كما قال الله تعالى حتى انقلبت الأمور رأسًا على عقب، ودخل إمبراطور الروم بجيشه المظفر المنصور أرض المدائن، ورفع أعلام النصر على القصور الإمبراطورية هنالك، فتحقق بذلك وعد الله تعالى الصادق في قوله: غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَيذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) [الروم: 2 - 5]، وكان ذلك هو العام بو الروم.
الثاني الهجري الخامس والعشرين بعد ستمائة للميلاد، وهو العام الذي تحقق فيه أول نصر للمؤمنين في غزوة بدر، التي كانت فتحا مبينا لأمة
الإسلام.
ولا ريب أنّ العلامة المودودي بنظرته هذه التي كان بعيدا مداها ـ إذ كان يدرك فيما ذكره من تصدع وتساقط هذين النظامين الماليين، بجانب انهزام المادية وتقلص العنصرية - كان ينظر أيضًا إلى وضع الأمة الإسلامية المزري التي تخلت عن رسالتها، ونسيت مسؤليتها فيما بينها وبين الله، وفيما بينها وبين الناس، فاعتزلت قيادة الناس إلى الخير وتبصيرهم به ودعوتهم إليه، وبذلك صار يصدق عليها أنها تحمل تحت إبطها عصى موسى، ولكنها تخشى من الحبال والخشب فهي تحمل القوة الحقيقية لأنها بيدها القرآن، ولكنها تتضاءل أمام الأوهام، وترتعد فرائصها من خيالات الأشباح المزورة، فلذلك ظلت عبرة في التاريخ.